فهرس الكتاب

الصفحة 9453 من 19127

وأُخْرى: أنَّ البصْرِيِّينَ كانوا يُقِيمونَ قَواعِدَهُم على الأكثر في اللغة، ويَأْبَوْنَ أن يَتَّخِذُوا ما دونه مصدرًا لاستنباط، ولا سندًا لرأي، أمَّا ما يُخالِفُ الأكثر فرُبَّما أوَّلوه بما يردّه إليه، وربَّما عدُّوه منَ الضَّرورات التي لا يُصارُ إليها في الاختيار، وربما نحَّوْه جانبًا، وحكموا عليه بالشذوذ.

ويبدو أنَّ أبا عمرو هو صاحبُ هذا الأصل: فقد سُئِلَ عمَّا وَضَعَهُ من العربية: أيدخُل في كلام العرب كلُّه؟ قال: لا، قيل له: فكيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حُجَّة؟ قال: أعمل على الأكثر، وأُسَمِّي ما خالَفَنِي لغات [67] .

أمَّا الكوفِيّون فكانوا يأخذون اللغة من حيثُما وجدوها، وكانوا كلما عرض لهم شاهد قبِلوه وولَّدوا منه حكمًا له ما لسائر الأحكام [68] :

ومن أمثلة الفرق في هذا بين المدرستين: أنَّ البصرِيّين لا يُجيزون تَقَدُّم الفاعل على فعله، ولا يَمْنَعُهم منه قول الزَّبَّاء:

مَا لِلْجِمَالِ مَشْيُهَا وَئِيدَا = أَجَنْدَلاً يَحْمِلْنَ أَمْ حَدِيدَا؟

لأنَّهم يعدّونه من قبيل الضرورة، ويُعرِبون (مَشْيَهَا) مبتدأ حُذف خَبَرُهُ، وسَدَّتِ الحالُ (وَئِيدًا) مَسَدَّهُ، والتقدير: مَشْيُهَا يَظْهَرُ وَئِيدًا.

أمَّا الكوفيّون: فقد أخذوا بالشاهد، وأجازوا تقديم الفاعل على فعله، كما قدَّمَتْ (مَشْيُهَا) على (وَئِيدًا) [69] .

ولعلَّ كثرةَ مُمارسة الكوفيين للتلاوة والرواية هي التي أورثتهم الاعتداد بظاهر النصِّ، وتهيُّبَ الهجوم عليه بالتَّأويل، أوِ الإنكار:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت