أمَّا أهل الكوفة فكانوا منقطعين للقرآن والشِّعر، كما ذكرنا آنفًا، حتَّى إذا كان منتصف القرن الثاني تقريبًا - تبيَّنُوا أنَّ البصرة قد عظم قَدْرُها، ونبُه ذكرُ علمائِها، بفضل ما صنعوا ويصنعون للعربية - هنالك هبُّوا يحاولون أن ينافسوهم؛ ليكون لهم من الفضل مثل ما لهم.
ولمَّا لم تكن لهم سابقة في النحو، لم يجدوا بدًّا من أن يتجهوا إلى البصرة، يطلبون فيها علم ما لا يعلمون، فذهب إليها الكِسَائِيُّ فِيمن ذهب، وأخذ عن الخليل ويونُس، ثم قرأ عليه الأَخْفَشُ كتاب سيبويه، واصطحب الفَرَّاءُ كتاب سيبويه حياتَهُ، لا يكاد يفارقه.
كان نَحْو الكوفة إذًا شُعبةً من نحو البصرة، ثم تحوَّلَ عنه في أصوله، ومناهج دَرْسِهِ، لاختلاف الأئِمَّة هنا وهناك في مصادر الرواية والرأي فيها، ثم في سمات الشخصية وطرائق التفكير؛ فكان للنحو مدرسة في البصرة، وأخرى في الكوفة، وقُدِّر لنحو البصرة أن يكون أكثَرَ تداولاً، وأَخْلَدَ خُلُودًا.
وأهَمُّ الفروق التي بين المدرستين: أنَّ شُيوخ البصرة كانوا لا يَرْوُونَ إلاَّ عن العرب الخُلَّص الضَّارِبِينَ في أعماق الصحراء، ولا يَقبَلون الشاهد إلا إذا وثِقُوا به، لهذا نَرَى سيبويه يُرَدِّدُ لفظ الثقة ومشتقَّاته فيما يَروِي وما يَسمعُ منَ الشواهد، كأنَّما يُريدُ أن يُطَمْئِنَ أصحابه إلى أنه آخذ على الطريقة التي يتوارَثُونَها؛ بل لم يكُنْ يَفُوتُه أن يُنَبِّهَ على المَصْنُوع منَ الشواهد أيضًا [66] ، أمَّا الكوفيّون فكانوا أقلَّ تحرُّجًا في الرواية، وأكثَرَ تَرَخُّصًا في الاستِشْهاد.