فهرس الكتاب

الصفحة 9462 من 19127

وكان يمنع الاستشهاد بالأحاديث، ولا يرضى عن الخلاف في المسائل النظرية التي لا جدوى منها في اللغة؛ كالخلاف في أصل المرفوعات والمنصوبات، فيقول:"وهذا الخلاف لا يجدي" [115] .

سيرة النحو

لم يكد أبو الأسود يبدأ وضع النحو، ويكتب منه ما كتب، ثم يَعلَم الناس نبأه حتى أسرع إليه نفر من الطلاب يسمعون منه، ويتتلمذون له، ثم يُقبِل عليهم من بعد طُلاب آخرون يصنعون صنيعهم هم مع أبي الأسود.

وهكذا تمضي المسيرة فَوْجًا بعد فَوْج، كلما مضى فَوْج خَلَفَهُ آخَرُ، على مدى نحو أربعةَ عَشَرَ قرنًا، وما منهم إلا صانع للنحو صنيعًا، أو مضيفٌ إليه جديدًا، كل على مقدار ما يتاح له، ويفتح الله به عليه.

وكان عبدالله بن أبي إسحاق أوَّل مَن ذكر الناسُ له عملاً في النحو بعد أبي الأسود، فقالوا: إنه فرَّع النحو، وقاسه، وأملى كتابًا في الهمز [116] ، والهمز حقيق أن يؤلَّف فيه كتاب، فإن له في القراءات أحوالاً يتنقل بينها، كما للاسم المعرب أحوال في الكلام يتنقل بينها أيضًا.

وقد مكنت له حفاوته بالهمز والتأليف فيه أن يفوزَ به على أبي عمرو بن العلاء في المناظرة التي دعاهُما إليها بلال بن أبي بردة، إبَّان ولايته على البصرة [117] ، وإذن يمكن أن يقال: إن عبدالله بن أبي إسحاق هو أوَّل من ألَّفَ كتابًا في الصرف، وكانتْ وفاته سنة 117، وألف عيسى بن عمر كتابين في النحو، نوَّه بهما الخليل في بيتين، ردَّدتهما كتب التراجم المختصة، وهما:

ذَهَبَ النَّحْوُ جَمِيعًا كُلُّهُ = غَيْرَ مَا أَحْدَثَ عِيسَى بْنُ عُمَرْ

ذَاكَ إِكْمَالٌ، وَهَذَا جَامِعٌ = وَهُمَا لِلنَّاسِ شَمْسٌ وَقَمَرْ

واسم الكتاب الأول يدل على أنَّه أَكْمَلَ نَقْصًا، واسم الآخَرِ يدل على أنه جمع متفرّقًا، وفي هذا إشارة إلى أن النحو لعهد عيسى بن عمر كان قد قطع في سبيل النمو شوطًا بعيدًا، وكانت وفاة عيسى سنة 149.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت