فهرس الكتاب

الصفحة 9463 من 19127

وبقي الكتابان أو أحدُهما إلى القرن الثالث، فيذكر المبرّد أنه قرأ أوراقًا من أحدهما، فكان كالإشارة إلى الأصول [118] .

ثم جاء كتاب سيبويه، فبَهَرَ الناس، واستأثر بإعجابهم، فقد رأوا منه قصرًا منيفًا، شامخ الأعالي، لا يسع الناظر إليه، ولا الداخل فيه، إلا أن يسبح الله الذي خلق الخليل، وجعله خازن ذخائره، وخلق سيبويه، وجعله مهندس بنيته.

إنه اللغة في نحوها وصرفها وأصواتها؛ بل في أصول بلاغتها أيضًا، وإنه النحو في أحكامه وقضاياه، وفي أقيسته وعلله، وفي أصوله وفروعه، وفي مناهجه وشواهده، لم يدع من ذلك للذين جاؤوا من بعده إلا يسيرًا لا يحسب له حساب، والذين قالوا: إنه قرآن النحو لم يُبْعِدُوا ولم يُسْرِفُوا، لقد ملأ الدنيا عِلمًا، ونفخ في الناس روحًا من البحث ما كانت لولاه لتكون.

وما نريد أن نَبْخَسَ فَضْلَ السابقين من سَلَفِ سيبويه، فقد أمدَّه كثيرٌ منهم بقدرٍ عظيمٍ منَ الآراء والأحكام، ولا سيما يونس بن حبيب، والأخفش الأكبر، وأبو عمرو بن العلاء، فكان لهم بذلك جهد مشكور في صنع الكتاب، وفي ظهوره فجأة على هذه الصورة شاهد صِدْق على مبلغ الجِدِّ والإخلاص في دراسة النحو وتنمية مادته؛ فليس بين ظهوره وابتداء وضعه سوى قرن واحد، يزيدُ قليلاً، ولكنَّها الهمة الكبرى، والمطلب الجليل يصنعان العجب العجاب.

ولم يكفَّ النحاة بعد سيبويه، ولا فترت همتهم عن التأليف في النحو، فألَّفوا فيما يخطر منه بالبال وما لا يخطر، لا تكاد تصْرِفهم عنه الفتن واضطراب الأحوال، فكان من ذلك ثروة هائلة من كتبه، تتخالَفُ موضوعًا وحجمًا، ما بين مبسوط، ووسيط، ووجيز، أكثرُها في النحو والصرف معًا، وبعضها في النحو خاصة، أو الصرف خاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت