فهرس الكتاب

الصفحة 9464 من 19127

وتنوَّعت عبارات الكتب، فواضحة وغامضة، ومجملة ومفصلة، وقاصِدَة ومستطرِدَة، يَشُوبُها قليلٌ أو كثير من تجريد الفلسفة وصرامة المنطق، وما كان ممكنًا أن يبرأ النحو منهما، فقد صارت لهما الغلبة على مناهجِ الدرس ومذاهب التفكير أيام ازدهار الحياة العلمية، فكان من أثرهما أن غمضت العبارة قليلاً أو كثيرًا، وخاصة في كتب المشرق، وبعض كتب العصور الأخيرة.

على أنَّ لغموض العبارات أسبابًا أخرى، كإجداب القريحة، وضعف ملكة البيان، وقد كان المازني ممن يصعب الفهم عنهم [119] .

ومن العجيب أن يتعمَّد بعض النحويين الغموض، بل أن يكون منهم مَن يعيب الوضوح، ويرى أن الأخذ به يُزْري بالنحو، فقد قيل للأخفش: لِمَ لا تجعل كتبك مفهومة؟ فقال: أنا رجل لم أضَعْ كتبي هذه لله، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه قلَّت حاجَتُهم إليَّ فيها؛ وإنما كانت غايتي المنالة [120] .

وكان السِّيرَافِيُّ معروفًا بوضوح العبارة، فلمَّا أَلَّفَ كتابة"الإقناع في النحو"لم يَرُقِ ابنه أن يكون على ما رأى من السهولة، فكان يقول:"وضع والدي النحو في الزبالة" [121] .

هكذا كان النحو نُشُوءًا وارتقاء في البصرة ثم الكوفة، وهو ما يقضي به منطق الواقع، فلم يكن بجزيرة العرب ولا بالبلاد المفتوحة حاجة عاجلة إليه؛ فأمَّا الجزيرة فوطن العرب والعربية، وأمَّا البلاد المفتوحة فكان أهلها هم الكثرة الكاثرة، وكان العرب وافدين عليهم، وهم القلة القليلة، ولم يكن الخِلاط أوَّل الأمر كثيرًا ولا عامًّا بين هؤلا وهؤلاء، وإنما كان بين الرؤوس من الفريقين وعلى قدر الحاجة الماسَّة، ومن اليسير أن تكون الترجمة إذا ذاك هي وسيلة التفاهم بينهما والخطاب؛ فلمَن يوضع النحو إذن؟ وما الحاجة الدافعة إلى المبادرة إليه، والتفرغ له، والتأليف فيه؟ ومَثَلُ الفاتحين إذ ذاك في هذه البلاد، كمثل البعثات السياسية التي تمثل دولها في دول أخرى في عصرنا، أو تكاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت