من أجل ذلك تخلَّفت البلاد المفتوحة عن مواكبة مسيرة النحو في البصرة والكوفة، ولم يتهيأ لها أن تشارك فيها بالدراسة المتخصصة والتأليف الرفيع إلا حوالي القرن الثالث حين دعت الحاجة إلى شد أزر العربية، والحفاظ على سلامتها.
وظل النحو على ما كان له من شأن إبان عظمة الدولة، فلم يتوقف في مسيرته، ولا غض منه أن تضعضعت الخلافة، وأصبحت الدولة مِزَقًا متناثِرَةً، يقوم على كل مِزْقَةٍ دُوَيْلَة؛ بل لعله أن يكون كغيره من العلوم قد زاد خصبًا ونماء، فقد كان بين أصحاب هذه الدويلات تنافُسٌ، وفيهم طموح، كل يحاول أن يجتمع بحضرته من العلماء والشعراء مثل من كان منهم بحضرة الخلفاء، وأكثر ممن بحضرة أقرانه من أصحاب الدويلات، فجعلوا يجتذبونهم، ويحببون إليهم المقام في ظلالهم، بما كانوا يجزلون لهم من الجوائز، ويولونهم من التكرمة والإجلال، لا فرق فيهم بين عربي وأعجمي.
فكان لهم ما أرادوا، وقصدهم العلماء والشعراء، يؤلف العلماء لهم الكتب، وينظم الشعراء لهم المدائح؛ فهذا أبو عليٍّ الفَارِسِيُّ كان عند سيف الدولة الحَمدَانِيِّ، ثم استدعاه عَضُدُ الدولة ابن بُوَيْهِ ليُؤَدِّبَ أولادَ أخيه، فمضى إليه أبو عليٍّ، وألف له كتاب"الإيضاح"، فعدَّه قصيرًا، وكانت له مع أبي عليٍّ مجالسُ ومساءلاتٌ في النحو [122] .
وولت الدولة الفاطمية ابن بابشاذ، ثم ابن بَرِّيٍّ أمْرَ ديوان الإنشاء؛ لنظر ما يصدر عنه من رسائل، وإصلاح ما عسى أن يشوبَها من أخطاء [123] ، ووفد تاج الدين الكِنْدِيُّ على فَرّوخشاه ابن أخي صلاح الدين في دمشق، فأكرم وِفادَتَهُ واستوزره، وقرأ عليه المعظَّم عيسى الأيوبي كتاب سيبويه و"شرح الإيضاح" [124] ، ووفد ابن الحاجب على الملك الناصر داود بالكرك، فأعظم قدره، وقرأ النحو عليه [125] ، وأهدى الغوريُّ إلى السُّيُوطِيِّ خَصِيًّا وألفَ دينار فردَّ الأَلْفَ، وأخَذَ الخَصِيَّ، وأَعْتَقَهُ وجعله خادمًا في الحجرة النبوية [126] .