وكثير من الناس يَمْقُتُونَ النحو، لكثرة الخلاف، وتشابُك الآراء فيه، ولا يد لأحد في هذا، فهو من عمل الظروف والأحوال، ولقد تداول العلماء النحو يوسّعونه دراسة وبحثًا على توالي العصور، وكثيرٌ من شواهده تتعدَّد رواياته، والنحويون كغيرهم تتفاوت حظوظهم من العلم، وتتفاوت درجاتهم في التذوُّق والفَهْم.
ولم يَفُتِ النحاةَ آخِرَ الأمر أن يُيسروا النحو على طالبيه، فتناولوه بالنظم والاختصار، وأشهر منظوماته"ألفية ابن معط"و"ألفية ابن مالك"، ولا خلاف أن الكلام المنظوم أسهل حفظًا وأبقى في الذهن أثرًا، على أن آراء النحاة في كثرتها، وتخالف مذاهبها إن تكن ترهق المتعلمين في درس النحو - فإنَّ فيها عونًا محمودًا للُّغَوِيِّينَ الذين يَرْقُبُونَ اللغة المعاصرة في تطوُّرِها، واستحداث أساليبَ وألفاظٍ فيها، فليس يعدمهم أن يقفوا منها على رخصة، أو يهتدوا بها إلى وجه يُقِيلُ عَثَارَهَا، ويُجِيزُ استعمالها في فصيح الكلام.
ومن النحاة من اتخذ النَّظْمَ أداة لإلغاز بعض مسائل النحو، واشتهر من هؤلاء السَّخَاوِيُّ المُتَوَفَّىَ سنة 643 [127] ، والدَّمَامِينِيُّ المتوفى سنة 837 [128] ، وهو نوع من المهارة الذهنية لا قيمة له، ولا جدوى منه.
النحاة في المجتمع
ما من أحد يمارس عملاً حتَّى يُعرَفَ به، ويُنسَب إليه، إلا خلَّف فيه أثرًا متميزًا، وقد أورث النَّحوُ أصحابه الأوَّلين غَيْرَةً على اللغة، وجرأةً على نقد المخطئين فيها، فضاق بهم خَلْقٌ كثير.
قال الأَخْفَشُ: كان أميرُ البصرة يقرأُ قوله تعالى في سورة الأحزاب من آية 56: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} بالرفع، فمضيت إليه ناصحًا، فانتهرني، وتوعدني، وقال: تُلَحِّنُونَ أمراءكم؟! [129] ، وكان الشُّعراء أشدَّ الناس سخطًا عليهم لذلك، فهَجَوْهُمْ، وسَخِرُوا منهم.