فهرس الكتاب

الصفحة 1036 من 2877

من أحمد بن عبد الله بن سليمان خص به من عرفه وداناه، سلم الله الجماعة ولا أسلمها ولمّ شعثها ولا آلمها. أما الآن فهذه مناجاتي بعد منصرفي عن العراق مجتمع أهل الجدل وموطن بقية السلف، بعد أن قضيت الحداثة فانقضت وودعت الشبيبة فمضت، وحلبت الدهر أشطره وجربت خيره وشره، فوجدت أقوى ما أصنعه أيام الحياة أن اخترت عزلة تجعلني من الناس كبارح الأروى من سانح النعام، وما ألوت نصيحة لنفسي ولا قصرت في اجتذاب المنفعة إلى خيري [1] ، فأجمعت على ذلك واستخرت الله فيه بعد جلائه عن نفر يوثق بخصائلهم، فكلهم رآه حزما وعده إذا تم رشدا، وهو أمر أسري عليه بليل قضي ببقّة وخبّت به النعامة، ليس بنتيج الساعة ولا ربيب الشهر والسنة، ولكنه غذي الحقب المتقادمة، وسليل الفكر الطويل. وبادرت إعلامهم ذلك مخافة أن يتفضل منهم متفضل بالنهوض إلى المنزلة الجارية عادتي بسكناه، ليلقاني فيه فيتعذر ذلك عليه، فأكون قد جمعت بين سمجين سوء الأدب وسوء القطيعة، ورب ملوم لا ذنب له، والمثل السائر:

خلّ أمرأ وما اختار، وما أسمحت القرون بالإياب حتى وعدتها أشياء ثلاثة: نبذة كنبذة فتيق النجوم، وانقضابا من العالم كانقضاب القائبة من القوب، وثباتا في البلد إن جلا أهله من خوف الروم، فإن أبى من يشفق علي أو يظهر الشفق إلا النفرة مع السواد كانت نفرة الأعصب أو الأدماء.

وأحلف ما سافرت أستكثر من النشب ولا أتكثر بلقاء الرجال، ولكن آثرت الإقامة بدار العلم فشاهدت أنفس ما كان لم يسعف الزمن بإقامتي فيه، والجاهل مغالب القدر، فلهيت عما استأثر به الزمان، والله يجعلهم أحلاس الأوطان لا أحلاس الخيل والركاب، ويسبغ عليهم النعمة سبوغ القمراء الطلقة على الظبي الغرير، ويحسن جزاء البغداديين، فلقد وصفوني بما لا أستحق، وشهدوا لي بالفضيلة على غير علم، وعرضوا علي أموالهم عرض الجد، فصادفوني غير جذل بالصفات ولاهش إلى معروف الأقوام، ورحلت وهم لرحلتي كارهون وحسبي الله وعليه فليتوكل المتوكلون» اهـ.

وإنما قيل له «رهن المحبسين» للزومه منزله وكف بصره، فأقام مدة طويلة في منزله مختفيا لا يدخل عليه أحد، ثم إن الناس تسببوا إليه حتى دخلوا عليه. فكتب الشيخ أبو

(1) في الطبعة المصرية: حيزي. وقد ضبطت بعض الألفاظ المحرفة الأخرى في هذه الرسالة على الطبعة المصرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت