قال في الروضتين: قال ابن أبي طي: كاتب الوالي بحارم الفرنج واستدعاهم إليه مطمعا لهم في الاستيلاء على حارم بشرط أن يعصموه من الملك الناصر، وعلم الأجناد بقلعة حارم بما عزم عليه فتآمروا بينهم في القبض عليه، وكان هذا الوالي ينزل من القلعة ويصعد إليها في أموره ولذاته، فاتفق أنه نزل منها لبعض شأنه فوثب أهل القلعة لما خرج وأغلقوا بابها ونادوا بشعار السلطان، وكان السلطان راسل والي حارم، وبذل له في تسليم حارم إليه في أشياء كثيرة منها ولاية بصرى وضيعة يملكه إياها ودار العقيقي التي كان نجم الدين أيوب والد السلطان يسكنها وحمام العقيقي بدمشق وثلاثون ألف دينار عينا ولأخيه عشرة آلاف دينار، فاشتط في السوم وتغالى في العوض، فأنفذ إليه السلطان وتوعده وتهدده فكاتب الفرنج يطلب نجدتهم، وقيل إن نقيب القلعة أراد أن تنفق سوقه عند السلطان ويتحصل منه شيئا فكاتب السلطان بالعمل على الوالي فكتب إليه السلطان بتتميم ذلك ووعده بأشياء سكن إليها، وجرى الأمر على ما ذكرناه من إغلاق الباب في وجه الوالي. وقيل إن النقيب وأهل القلعة لما أغلقوا الباب في وجهه شنعوا عليه بمكاتبة الفرنج ولم يكن فعل ذلك إقامة لعذرهم وقذفوه بالحجارة ونادوا بشعار السلطان، ولما اتصل بالسلطان هذه الأحوال أنفذ تقي الدين إلى حارم ليتسلمها فامتنع النقيب وأهل القلعة من تسليمها إليه، فرحل السلطان إليها بنفسه جريدة، فلما أشرف عليها نزل إليه النقيب ووجوه القلعيين وسلموها إليه في تاسع عشر صفر، ولما حضروا عند السلطان حدثوه بكيفية الحال، وكان بدر الدين
حسن بن الداية حاضرا فقال للسلطان: يا مولانا لا تلتفت إلى هؤلاء فإنهم آذوا هذا الوالي وكذبوا عليه حتى فوتوه ما كان السلطان وعده به، وما قلت هذا إلا عن تجربة، فإنني لما كنت متوليا لهذه القلعة جرى من كذبهم في حقي وتخرصهم عليّ أمور كدت بها أهلك مع نور الدين، وهم كانوا سبب خروجي من هذه القلعة، وأنا أرى أن السلطان يقرهم في القلعة على هذه التجربة، فضحك السلطان وأمر لهم بما كان وعدهم به وأفضل عليهم وولى في القلعة إبراهيم بن شروه وقال لابن الداية: إن بين أيدينا أمكنة نريد أخذها ومتى لم نف ونجزل العطاء لم يثق بنا أحد. وبات السلطان بقلعة حارم ليلتين وعاد إلى حلب في ثالث ربيع الأول، ثم أعطى العساكر دستورا فسار كل منهم إلى بلده وأقام يقرر قواعد حلب ويدبر أمورها. ورجفت أنطاكية بعد ذلك رعبا فأرسل صاحبها جماعة من أسارى المسلمين وانقاد وسارع إلى أمان السلطان.
قال في الروضتين: لما عاد صلاح الدين من حارم إلى حلب في ثالث ربيع الأول رتبها وقرر ولده الظاهر غازي سلطانا بها وقرر له في كل شهر أربعة آلاف درهم وعشرين كمة وقباء وما يحتاج إليه من الطعام وغيره، وجعل معه واليا سيف الدين أزكش الأسدي، وولى حسام الدين بميرك الخليفتي شحنة حلب، وولى الديوان ناصح الدين إسماعيل بن العميد الدمشقي ودار الضرب، فضرب الدرهم الناصري الذي سكته خاتم سليمان، ونقل الخطابة من بني العديم إلى أبي البركات بن الخطيب هاشم بسفارة القاضي الفاضل، وولى القضاء لمحيي الدين بن زكي الدين الدمشقي فاستناب فيه ابن عمته أبا البيان نبأ بن البانياسي، وولى الجامع والوقوف لأبي علي بن العجمي، وولى قلعتها سيف الدين يازكوج وأقر عين تاب على صاحبها وأعطى تل خالد وتل باشر بدر الدين دلدرم بن بهاء الدولة بن ياروق، وأعطى قلعة عزاز علم الدين سليمان بن جندر، وكشف السلطان عن حلب المظالم وأزال المكوس.
وفي توقيع إسقاط المكوس بحلب من كلام القاضي الفاضل عن السلطان: وانتهى إلينا أن بمدينة حلب رسوما استمرت الأيدي على تناولها والألسنة على تداولها وفيها بالرعاة
إرفاق وبالرعايا إضرار، ولها مقدار إلا عند من كل شيء عنده بمقدار منها ما هو في المعايش المطلوبة، وقد رأينا بنعمة الله أن نبطلها ونضعها ونعطلها وندعها ونضرب عليها بأقلامنا ونسلك ما هو أهدى سبيلا ونقول ما هو أقوم قيلا ونكره ما كره الله ونحظر ما حظر الله ونتأجره سبحانه، فإنه من ترك شيئا لله عوضه الله أمثاله وأربح متجره في الرعية اليوم بما يوضع عنهم من إصرها، ولنا غدا بمشيئة الله ما يرفع من أجرها، فعلى كافة أوليائنا والمتصرفين من قبلنا أن لا يهووا إليها يدا ولا يردوا ولو بلغ الظمأ منهم موردا ولا يثقلوا ميزان المال فتخف ميزان الأعمال، ولا يرغبوا في كثير الحرام فإن الله يغني عنه بقليل الحلال، وليعلم أن ذلك من الأمر المحكم والقضاء المبرم والعزم المتمم.