توفي عن سن عالية سنة ثمان وعشرين أو بعدها، وكان كثير التردد إلى البدر السيوفي وعمي الحنبلي والشافعي، مقداما في الكلام حاد اللسان ولو مع الحكام يخشاه كثير من الخواص فضلا عن العوام.
محمد بن الحسن بن محمد بن أبي بكر الشيخ شمس الدين أبو عبد الله بن الشيخ الصالح المقري بدر الدين البابي المولد الحلبي المنشأ الشافعي المعروف بابن البيلوني الكبير.
عالم عامل صالح، ولي إمامة السفاحية والحجازية بالجامع الأموي بحلب دهرا، ولازم البدر السيوفي وأخذ عنه وأجاز له جماعة كتبوا له خطوطهم في ثبته منهم الحافظ السخاوي الشافعي، وبخطه وجدت أنه ألبسه الطاقية وصافحه بعد أن سمع منه الحديث المسلسل بالمصافحة وبلباس الخرقة بحق روايته عنهما عن الشمس بن عبد الله بن المصري شيخ الصوفية بالباسطية فيما أجاز له عن أبي حفص المزي بلباسه من العز أبي العباس الفاروشي بلباسه من الإمام أبي حفص السهروردي قال: لبسهما من الشيخ عبد القادر الكيلاني بسنده، ومنهم الشيخ العلامة يحيى بن حسن المغربي الربعي الحنفي نزيل حلب ومكة والأخوان الكمال والبرهان ابنا أبي شريف الشافعيان، وترجمه الأول منهما بالشيخ الفاضل زين الأماثل، والثاني بالشيخ الفاضل المتفنن، وذلك كله من اجتماعه بهم وقراءته عليهم.
وقرأ أيضا على الكمال ابن محمد الناسخ الطرابلسي وهو نزيل حلب في شعبان سنة خمس وتسعمائة من أول صحيح البخاري إلى أول سورة مريم وأجاز له ولمن معه جميع ما يجوز له وعنه روايته.
وقد سمعت أنا ولله الحمد من لفظ الشيخ شمس الدين شيئا من صحيح البخاري وذلك أنه كان محدثا بالجامع المذكور أيضا، وكان يحضر به في اليوم الموعود بالقراءة على الكرسي شماليته، فإذا شيخنا العلاء الموصلي يدرس تحته فيحترمه ويجلس إلى جنبه فيقرأ من الصحيح ما تيسر منه قراءة حسنة يراعي فيها قواعد التجويد كما يراعي عند تلاوة القرآن المجيد.
وكانت وفاته يوم السبت الثاني والعشرين من ذي القعدة سنة تسع وعشرين
وتسعمائة، وصلى عليه الزين الشماع ودفن بالرحبي وذلك بعد أن كان خطب بالجامع المذكور أمس السبت، ولما فرغ من دفنه سمع الزين الشماع جماعة العلاء الكيزواني يقرؤون شيئا من النظم على قبره، فغضب من ذلك لكونه بدعة ابتدعوها واستوجبوا أن يقال لهم دعوها، فكتب إلى سيدي علوان الحموي يعلمه بالواقعة ويقدح في الناس بأنهم لا يميلون إلا إلى هوى أنفسهم، فأجابه برسالة طولى ذكرها في كتاب «عيون الأخبار» ، ومن جملة ما تضمنه أنه يجب على العاقل أن يكون في الغضب والرضى ملاحظا لمولاه فيغضب عند مخالفة الشرع ويرضى عند الموافقة، فإذا كان رضاه في المدح لنفسه فيرضى موافقة وعبودية أو بالعكس فبالعكس، وإذا رضي لحظة وغضب كذلك فهذه منازعة للربوبية وأنه لا يحسم مادة الاشتغال بذكر عيوب الخلق إلا بذكر الحق كما أشار إليه قوله تعالى: