يا أيها الملك الغزير فضله ... لقد غدوت بالعلى مليا
كفى أمير المؤمنين شرفا ... أنك أصبحت له وليا
طارحك الود على شحط النوى ... فكنت ذاك الصادق الوفيا
أولاك من لباسه زخرفة ... لم يولها قبلك آدميا
ناسبت الروض سنا وبهجة ... حتى حكته رونقا وريا
قال في الروضتين في حوادث هذه السنة: قد سبق ذكر الصلح الذي جرى بين السلطان والحلبيين، فلما سمع المواصلة عتبوا عليهم ووبخوهم ونسبوهم إلى العجلة في ذلك وسلوك غير طريق الحزم فحملوهم على النقض والنكث وأنفذوا من أخذ عليهم المواثيق، وتوجه ذلك الرسول منهم إلى دمشق ليأخذ للمواصلة من السلطان عهده ويكشف أيضا ما عنده، فلما خلا به طالبه السلطان بنسخة الرأي فغلط وأخرج من كمه نسخة يمين الحلبيين لهم وناولها إياه، فتأملها وأخفى سره وما أبداه، واطلع على ما اتفقوا عليه وردها إليه وقال: لعلها قد تبدلت، فعرف الرسول أنه قد غلط ولم يمكنه تلافي ما فرط. وقال السلطان: كيف حلف الحلبيون للمواصلة ومن شرط أيمانهم أنهم لا يعتمدون أمرا إلا بمراجعتهم لنا واستئذانهم؟ وعرف من ذلك اليوم أن العهد منقوض والوفاء مرفوض، وشاع الخبر عن المواصلة بالخروج في الربيع فكتب السلطان إلى أخيه العادل وهو نائبه بمصر يعلمه بذلك ويأمره أن يأمر العساكر بالاستعداد للخروج في شعبان. قلت: وفي كتاب فاضلي جليل إلى بغداد عن السلطان: يطالع بأن الحلبيين والموصليين لما وضعوا السلاح وخفضوا الجناح اقتصرنا بعد أن كانت البلاد في أيدينا على استخدام عسكر الحلبيين في البيكارات إلى الكفر وعرضنا عليهم الأمانة فحملوها والأيمان فبذلوها، وسار رسولنا وحلف صاحب الموصل بمحضر من فقهاء بلده وأمراء مشهده يمينا جعل الله فيها حكما وضيق في نكثها المجال على من كان حنيفا مسلما، وعاد رسوله ليسمع منا اليمين، فلما حضر وأحضر نسختها أومأ بيده ليخرجها فأخرج نسخة يمين كانت بين الموصليين والحلبيين
مضمونها الاتفاق على حزبنا والتداعي إلى حربنا والتساعد على إزالة خطبنا والاستنفار لمن هو على بعدنا وقربنا، وقد حلف بها كمشتكين الخادم بحلب وجماعة معه يمينا نقضت الأولى، فرددنا اليمين إلى يمين الرسول وقلنا: هذه يمين عن الأيمان خارجة، وأردت عمرا وأراد الله خارجة. وانصرف الرسول عن بابنا وقد نزهنا الله أن يكون اسمه معرضا للحنث العظيم والنكث الذميم، وعلمنا أن الناقد بصير والآخذ قدير والمواقف الشريفة النبوية أعلاها الله مستخرجة الأوامر إلى الموصلي، إما بكتاب مؤكد بأن لا ينقض عهد الله من بعد ميثاقه وإما أن تكون الفسحة واقعة لنا في تضييق خناقه اه.