وكما قيل لي كان ذا شكل بهي وذكاء مفرط وهمة عالية وشهامة زائدة وميل كلي إلى الاجتماع بالإخوان وبسط اليد للخلان، لا سيما ابن أخته والدي طالما كان له به الاتحاد الزايد والمخالطة السارة في أوقات المذاكرة والمحاضرة والمباحثة والمحادثة وقدح الأفكار في
قرض الأشعار. ومن شعره القصيدة التي كتب بها إليه بعد توجهه إلى القاهرة وقال في صدرها:
إلى حلب واطول شوقي وحسرتي ... هي الورد في نومي وقومي وسرحتي
ففي مائها الشافي شفاء تولّعي ... ولطف هواها زاد وجدي ولوعتي
محاسنها أضحت كنار توقدت ... على علم ليلا بريح مهبة
وكيف ولا والحال أن أحبتي ... وأهلي بها أضحوا عليهم تحيتي
لبعدهم قد صار عيشي منغصا ... وجسمي براه البين بري الخلالة
إلى أن قال:
جرى القلم الجاري عليّ ببعدهم ... وجاز زماني في شتاتي وفرقتي
وأصبحت صبا في هواهم متيما ... أكابد أنواع الجفا والقطيعة
فجسمي معتل ونومي ناقص ... كحظي أحبابي فجودوا بزورة
علي بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد بن علي بن محمد بن يوسف بن محمد ابن الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن يوسف بن عبد الواحد، القاضي علاء الدين ابن الشيخ شمس الدين المشهور بالدبل، بفتح الموحدة، الأنصاري السعدي العبادي الحلبي الحنفي، والد سعد المتقدم ذكره.
تولى قضاء كلز في الدولة الجركسية، واتفقت له بها حادثة في سنة أربع وثمانين وثمانمائة هي أن الكيخيا بها عمر بن ككجا والد الشيخ محمد الآتي ذكره كان قد وقع بينه وبينه خصومة آلت إلى أن ضربه على رأسه، فحضر إلى حلب شاكيا عليه، فبعث على إثره كتابا بما تمج الأسماع ذكره لبعض أركان الدولة، ثم اتفق حضور جدي الجمال الحنبلي وقاضي الحنفية بحلب الشهاب ابن الحلاوي بمجلس حاجب الحجاب بحلب ومعهما القاضي علاء الدين، فلما استقروا به طلب السكر فسقاهم، ثم استدعى الكيخيا، فلما حضر قام له وتكلف القاضيان القيام فطلب صاحب المجلس الصلح، فقال له جدي: ما كان الأمل منك يا أمير أن نفعل هذا وتكون سببا لإهانة هذه الطائفة، هذا الرجل جزاؤه أن
يضرب ويشهر ويهان حق الإهانة. ثم نفر من عنده القاضيان فتوجها إلى قاضي الشافعية العز ابن الحسفاوي وعرفاه بما جرى، فأمرهما بالامتناع من الحكم فامتنعوا هم وقاضي المالكية عنه، وأرسل هو إلى مكاتب العدول بحلب يأمرهم بالكف عن الجلوس بها ففعلوا إلى أن سعى الفخر عثمان الكردي في الصلح بين القضاة وحاجب الحجاب، وكان كرديا لا جركسيا، فامتنع الشافعي وصمم على ضرب الكيخيا وإشهاره في شوارع حلب إلى أن أوقع الصلح بدار العدل بحضرة القضاة، إلا الشافعي فإنه تكرر الإرسال وراءه فلم يحضر، وإنما أرسل نائبه اهتماما منه بشأن الشريعة وقضاتها.