فهرس الكتاب

الصفحة 1063 من 2877

وقانا لفحة الرمضاء واد ... سقاه مضاعف الغيث العميم

نزلنا دوحة فحنا علينا ... حنوّ الوالدات على الفطيم

وأرشفنا على ظمأ زلالا ... ألذّ من المدامة للنديم

يصد الشمس أنّى واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم

تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم

فقال أبو العلاء: أنت أشعر من بالشام، ثم رحل أبو العلاء إلى بغداد فدخل المنازي عليه في جماعة من أهل الأدب ببغداد، وأبو العلاء لا يعرف منهم أحدا، فأنشد كل واحد

ما حضر من شعره، حتى جاءت نوبة المنازي فأنشد:

لقد عرض الحمام لنا بسجع ... إذا أصغى له ركب تلاحى

شجى قلب الخليّ فقيل غنّى ... وبرّح بالشجيّ فقيل ناحا

وكم للشوق في أحشاء صب ... إذا اندملت أجدّ لها جراحا

ضعيف الصبر عنك وإن تقاوى ... وسكران الفؤاد وإن تصاحى

بذاك بنو الهوى سكرى صحاة ... كأحداق المها مرضى صحاحا

فقال أبو العلاء: ومن بالعراق، عطفا على قوله ومن بالشام. انتهى.

قصة أبي العلاء مع صاحب حلب:

قال الصلاح الصفدي في كتابه نكت الهيمان: قال سبط بن الجوزي في المرآة: قال الغزالي: حدثني يوسف بن علي بأرض الهركار قال: دخلت معرة النعمان وقد وشى وزير محمود بن صالح صاحب حلب إليه بأن المعري زنديق لا يرى إفساد الصور، ويزعم أن الرسالة تحصل بصفاء العقل، فأمر محمود بحمله إليه وبعث خمسين فارسا ليحملوه، فأنزلهم أبو العلاء دار الضيافة، فدخل عليه عمه مسلم بن سليمان وقال: يا بن أخي، قد نزلت بنا هذه الحادثة، الملك محمود يطلبك، فإن منعناك عجزنا، وإن أسلمناك كان عارا علينا عند ذوي الذمام ويركب تنوخا الذل والعار، فقال له: هوّن عليك يا عم، فلا بأس علينا، فلي سلطان يذب عني. ثم قام فاغتسل وصلى إلى نصف الليل، ثم قال لغلامه:

انظر إلى المريخ أين هو، قال: في منزلة كذا وكذا، قال: زنه واضرب تحته وتدا وشد في رجلي خيطا واربطه إلى الوتد، ففعل غلامه ذلك، فسمعناه وهو يقول: يا قديم الأزل، يا علة العلل، يا صانع المخلوقات وموجد الموجودات، أنا في عزك الذي لا يرام، وكنفك الذي لا يضام، الضيوف الضيوف، الوزير الوزير، ثم ذكر كلمات لا تفهم، وإذا بهدة عظيمة، فسئل عنها فقيل: وقعت الدار على الضيوف الذين كانوا بها فقتلت الخمسين.

وعند طلوع الشمس وقعت بطاقة من حلب على جناح طائر: لا تزعجوا الشيخ فقد وقع الحمّام على الوزير.

قال يوسف بن علي: فلما شاهدت ذلك دخلت على المعري فقال: من أنت؟ قلت:

أنا من أرض الهركار، فقال: زعموا أني زنديق. ثم قال: اكتب، وأملي علي وذكر أبياتا من قصيدة ذكرتها أنا، وأولها:

أستغفر الله في أمني وأوجالي ... من غفلتي وتوالي سوء أعمالي

قالوا هرمت ولم تطرق تهامة في ... مشاة وفد ولا ركبان أجمال

فقلت إني ضرير والذين لهم ... رأي رأوا غير فرض الحج أمثالي

ما حج جدي ولم يحجج أبي وأخي ... ولا ابن عمي ولم يعرف منى خالي

وحج عنهم قضاء بعدما ارتحلوا ... قوم سيقضون عني بعد ترحالي

فإن يفوزوا بغفران أفز معهم ... أو لا فإني بنار مثلهم صالي

ولا أروم نعيما لا يكون لهم ... فيه نصيب وهم رهطي وأشكالي

فهل أسرّ إذا حمّت محاسبتي ... أم يقتضي الحكم تعتابي وتسآلي

من لي برضوان أدعوه فيرحمني ... ولا أنادى مع الكفار أمثالي

باتوا وحتفي أمانيهم مصورة ... وبت لم يخطروا مني على بال

وفوّقوا لي سهاما من سهامهم ... فأصبحت وقّعا عني بأميال

فما ظنونك إذ جندي ملائكة ... وجندهم بين طوّاف وبقّال

لقيتهم بعصا موسى التي منعت ... فرعون ملكا ونجّت آل إسرال

أقيم خمسي وصوم الدهر آلفه ... وأدمن الذكر أبكارا بآصال

عيدين أفطر في عامي إذا حضرا ... عيد الأضاحيّ يقفو عيد شوال

إذا تنافست الجهال في حلل ... رأيتني وخسيس القطن سربالي

لا آكل الحيوان الدهر مأثرة ... أخاف من سوء أعمالي وآمالي

وأعبد الله لا أرجو مثوبته ... لكن تعبد إكرام وإجلال

أصون ديني عن جعل أؤمله ... إذا تعبّد أقوام بأجعال

قال الدكتور طه حسين المصري في كتابه الذي وضعه في ترجمة أبي العلاء وسماه ذكرى أبي العلاء في صحيفة (207) : إن هذه القصة تكذب نفسها، فإن عم أبي العلاء مات قبل أبيه، ولم يكن أبو العلاء ينتحل السحر ولا يعرف الطلسمات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت