(4) سماعها من هذه المجلدة وذلك يوم الجمعة الحادي عشر من شهر ربيع الآخر سنة ست وعشرين وستماية والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
يا من أراد انصرافي ... عن مذهب الحب جهلا
قصر ملامك إني ... قد بعت روحي طفلا
وكانت وفاته حادي عشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين ومائة وألف، ودفن بالقرب من والده خارج باب الملك بالقرب من مرقد الولي الكبير الشيخ محمد الزمار رحمه الله تعالى. اهـ.
عبد القادر بن حسين ابن الحاج أمير جلبي الشهير بابن أمير، الحلبي المولد الشافعي، التاجر المشهور، وهو ابن عم الحاج موسى بن الحاج حسن أمير المتقدم الذكر.
مولده سنة تسع بعد المائة والألف. دخل الهند مرتين وسافر إلى الروم مرات، وسافر إلى بغداد والبصرة، وحج مرات، وله خيرات مشهورة ومساعي مشكورة، ابتنى عدة دور في سويقة الحجارين، وأنشأ بها السبيل ومكتبا للأطفال سنة ستين وماية وألف، وعمل لذلك تاريخا شيخنا أبو الفتوح علي الميقاتي هو:
لجلال وجه الله أنشأ مخلصا ... هذا السبيل ومكتبا لأصاغر
نجل الحسين بن الأمير سلالة ... حازوا المكارم كابرا من كابر
ذاك الذي نشر المحاسن في الورى ... وأجار من جور الزمان الجائر
كم ساق مكرمة إلى محتاجها ... بالجاه والمال العظيم الوافر
نظر الذي في الخير ينفقه غدا ... متقبلا مع ضعفه المتكاثر
فاختار للباقي على الفاني الذي ... حجب النفوس عن اكتساب مآثر
فأشاد عذبا سلسبيلا باردا ... يروي الظما عند اشتداد هواجر
قد ساقه من أصله لمحله ... طلبا لدعوة وارد أو صادر
وبمكتب الأطفال زاد ثوابه ... أحبب بتعليم الكتاب الباهر
فليهن بالأجر العظيم وما أتى ... في مدح أفعال الغني الشاكر
وخلوصه هنى بتاريخ بدا ... بقبولها صدقات عبد القادر
وجدد زاوية القادرية بالقرب من هذا السبيل بعد أن دثرت بالكلية سنة (لم يذكر) .
وفي تلك السنة اختلى بها شيخ القادرية الشيخ صالح فسميت بالصالحية. وأنشأ حمامه التي تجاه السبيل وهي في غاية الإتقان والزخرفة سنة خمس وسبعين وماية وألف، وله خيرات كثيرة وجهات حسنة شهيرة، وقيام مع أحبابه والتفقد لحوائجهم والصبر على أذى جيرانه وبغض الناس له، من ذلك أن جارا له من طائفة الجند يسمى مصطفى الهردار استأجر له صاحب الترجمة أوقاف إبراهيم خان المشهورة بحلب خمس سنوات بالمواصلة، كل هذا وفي المدة لم يسأله عن شيء، فظهر للمترجم من مصطفى الغدر، فطلبه للمحاسبة، فقطع علائقه وملك ما في حوزة يده من المال لولده ولبس ثيابا خلقة وأتي مجلس الحساب، فلما شاهد المترجم هذا الحال أرخى له العنان في الحساب إلى أن ظهر عنده للمترجم بإقراره سبعة وعشرون ألفا من القروش، فادعى أنه لا يمكنه أداء المبلغ إلا بالتنجيم، فكتب له بذلك صكا وأحضر والده وضمن كل منهما الآخر لحين أداء المبلغ بمحضر من الشهود، ثم لما تفرقا من المجلس ندما على إقرارهما والضمان، فقر الولد وادعى الوالد أنه كان في قراره كاذبا، فحبس الولد بحكم الثبوت عند محصل الأموال السلطانية في قلعة حلب ثم في حبس الوزير عبد الله باشا الصدر السابق ثم في حبس الشرع بباب قنسرين أربع سنين، وأثبت المترجم أيساره وأنه متعنت، فضيق عليه بحبس الشرع إلى أن بني عليه بمكان يسعه فقط. وأما الولد فإنه قبض عليه بمدينة طرابلس وجيء به لحلب وحبس عند نقيب الأشراف لأنه شريف من أمه مدة تزيد على ثلاث سنين، ولم يزدهما إلا إنكارا وصبرا على الحبس والتهديد، وطال الحال فصدر أمر الدولة أن يخرج المحبوسين وينجم عليهما المال، فأخرجا ففر الولد قبل التنجيم، واتصل الأب بخدمة الوزير عثمان باشا معتق الوزير أسعد باشا كان بحلب مسافرا، فصار أمير الأمراء بمنصب طرابلس وصحبه صحبته، وكان مخدومه جرداويا فسافر صحبته وتوفي في الطريق في العلا.