والرسول الذي كان يحمل العريضة إلى بلاد الأرنؤوط ألقي عليه القبض في سلانيك لاشتباههم به، وأخذت منه العريضة مع كتاب رضا بك المرسل معه لكبراء بلاد الأرنؤوط الذي يحثهم فيه على تقديم هذه العريضة وطلب تحقيق ما فيها. واستنطق هناك الرسول عما هو حادث في حلب، فحدثهم بالقصة واجتماع المترجم برضا بك وما جرى بينهما، وأرسلت تلك الإفادات إلى الآستانة وأودعت جميع الأوراق إلى ديوان الحرب هناك، وكان يرأس الديوان خورشيد باشا ناظر البحرية، فأخذت إفادات المقبوض عليهم، وأخيرا حكم
عليهم بالإعدام. وبتوسط علي بك ابن رضا بك المبعوث الأرنؤوطي وتوسله لدى محمود شوكت باشا ناظر الحربية بدّل حكم الإعدام بالنفي المؤبد إلى جزيرة رودس، فأرسلوا إليها وبقوا هناك ثلاث سنوات وأربعة أشهر، ثم بتوسط مبعوثي حلب وقتئذ نافع باشا الجابري والشيخ بشير الغزي وبواسطة علي باشا المصري عم سعيد حليم باشا الصدر الأعظم إذ ذاك صدر الأمر السلطاني بالعفو عنهم، فأطلقوا عندئذ وعادوا إلى حلب، وكان ذلك سنة 1330.
وكانت وفاة المترجم في السابع والعشرين من ربيع الثاني سنة 1334، ودفن في تربة الشيخ ثعلب الملاصقة للمكتب السلطاني ظاهر حلب في غربيها، رحمه الله تعالى.
الشيخ محمد رضا بن محمد بن يوسف الدقّاق الشهير بالزعيم، الدمشقي المولد والمنشأ.
ولد سنة 1274، ونشأ في طلب العلوم والتحلي بالكمالات. قرأ في الشام على الشيخ ملّاطه الكردي والشيخ محمد الطنطاوي وملا ناصر الدين الجيلاني وملا عيسى الكردي نزيلي دمشق. وتلقى فنون الأدب على العلامة الشهير الشيخ طاهر الجزائري، والحديث وعلم الوضع والبيان على الأستاذ بدر الدين المغربي المحدث الشهير وأجازه إجازة عامة.
ورحل إلى مصر ودخل الأزهر فجاور فيه سبعة أشهر، حضر فيه على الشيخ زين المرصفي والشيخ محمد البيسوني والشيخ محمد الأنبابي. ثم عاد إلى دمشق وأتم تحصيله فيها.
ثم أخذ في نشر علمه في الشام وضواحيها.
ثم رحل إلى الآستانة سنة 1304ودخل في امتحان مفتي آلاي وعيّن في هذه الوظيفة.
وأرسل إلى طرابلس الغرب مع حسن أديب باشا وأخذ في نشر العلم هناك، وتلقى عنه عدة من أهاليها. ثم عاد منها إلى دمشق. ثم عيّن لامتحان الطلبة للقرعة العسكرية في قيسارية، فتوجه إليها وبقي هناك سنتين.
ولما حصلت الثورة الحورانية سنة 1311رافق الحملة التي أرسلت من طرف الحكومة العثمانية لتأديب الخارجين عليها من أهالي الجبل. وفي سنة 1312عادت الثورة إلى ما
كانت عليه، فأرسل مع الجيش أيضا وذلك لمعرفته بعقائد الدروز وأحوالهم، فكان القواد يستفيدون من رأيه وخبرته بأهل تلك الأماكن، وأصيب بعدة رصاصات جرحته جروحا بليغة وشافاه الله منها، ونال لما أبلاه في قمع هاتين الثورتين رتبة ووساما من الرتبة الرابعة.