فهرس الكتاب
قال في المناقب: كان حسين باشا عند مروره ببيلان أقام فيها سبعة عشر ألفا من الرجالة والفرسان ليقطع على المصريين منافذ الطريق بإقامة الحواجز عند باب مضيقها بحيث كان يستطيع بألف مقاتل يدفع عشرين ألفا بالنسبة إلى مركزها الشاهق. فلما أقبل إبراهيم باشا إليها وأشرف بجيشه عليها وجدها مشحونة بالعساكر والمؤن فبادر إلى الحرب وقسم جيشه إلى أربعة أقسام وأقام كل قسم في مكان، ولما اختبر إبراهيم باشا مراكز
الجيوش العثمانية وعرف حركاتهم الحربية أمر الآلاي الثامن والثامن عشر من الرجالة وآلاي الحرس أن يسيروا عن طريق كلّز ويصعدوا إلى ذروة الجبل ويهجموا على ميسرة الجيوش العثمانية، ثم أمر حسن بك المناسترلي بالهجوم على الميمنة من الجهة الثانية المعروفة بطريق أنطاكية، وأقام إبراهيم باشا عن يمين ويسار فم الوادي فرقا من خيالة الأجناد ليعضد العساكر إذا ظفروا ويرد العدو عنهم إذا انكسروا، فلما رأت العساكر العثمانية تقدم الجيوش المصرية وهي صاعدة إليها ومشرفة عليها من اليمين والشمال أطلقت عليها المدافع من الجانبين المحكمة على الطريقين، فعند ذلك أمر إبراهيم باشا عسكره بالهجوم وإطلاق المدافع وتسابقت العساكر إلى الحرب فاشتبك القتال بين الجانبين واصطدمت الرجال بالرجال وسالت الدماء، وكانت ساعة من ساعات القيامة أذهلت العقول وأشابت الأطفال، وكانت النيران بين الطرفين غير منقطعة غير أن المصريين كانوا في الحرب أكثر انتظاما وأخف حركة، واستمر القتال من العصر إلى بعد غروب الشمس، وكانت جيوش الأتراك قد كلت وقتل منها ما يزيد عن ثلاثة آلاف نفس، فعند ذلك اختل نظامها وتمزقت صفوفها فولّت الأدبار وتشتت شملها ولم يفقد من المصريين غير أربعمائة وعشرين شخصا واستولى المصريون على مدافعهم وذخائرهم.
وعند طلوع النهار أرسل إبراهيم باشا عباس باشا إلى الاسكندورنة في ستة آلاف مقاتل ليقتفي أثر حسين باشا السردار، واتفق أن حسين باشا قبل أن تصل إليه أخبار الهزيمة كان موجودا في دار موسيو مارتينلي قنصل دولة فرانسة، فبينما هو يتناول الطعام إذ بلغه هذا الخبر وما حل بعسكره فاستعظم المصاب فنهض للحال بمن بقي معه من الرجال طالبا الهزيمة والفرار، وعند وصول عباس باشا إلى البلد وجدها مشحونة بالذخائر والعدد فاستولى عليها، ثم أرسل سرية أسرت من كان متأخرا من جيوش الأتراك، وما زال حسين باشا مجدا في السير إلى أن وصل إلى قونية.
وعاد إبراهيم باشا إلى حلب بعد أن كتب إلى أبيه من بيلان بما جرى.
في الباب الثامن من الكتاب الموسوم بالمناقب الإبراهيمية تكلم على الحرب التي جرت بين إبراهيم باشا وبين محمد رشيد باشا الصدر الأعظم عند قونية وانتهت بأسر
الصدر المذكور واستيلاء إبراهيم باشا على قونية، وأطال الكلام في ذلك وخلاصته: أن الدولة العلية لما بلغها انكسار جيشها الذي أرسلته بقيادة حسين باشا السردار عزلت حسينا وعيّنت محمد رشيد باشا الصدر الأعظم وأخذت في تجهيز العساكر، وأما إبراهيم باشا فإنه أخذ في التقدم نحو القسطنطينية وخرج من حلب في الخامس عشر من ربيع الأول من السنة المذكورة وذلك يصادف الحادي عشر من آب سنة 1832، ولما وصل إلى آدنة لم يجد فيها من يقاومه فاستولى عليها ثم سار نحو قونية، فالتقى هناك بالجيوش العثمانية بقيادة محمد رشيد باشا وكان ذلك في التاسع والعشرين من رجب من السنة المذكورة وعددها خمسة وخمسون ألفا، وكان عدد الجيوش المصرية ثلاثين ألفا، وبعد حرب دامت سبع ساعات أسر الصدر وانكسرت الجيوش العثمانية وولت الأدبار واستولت الجيوش المصرية على ما معها من المدافع والذخائر والمهمات، وأخذ من الجيوش العثمانية ثمانية آلاف أسير وستة وخمسون مدفعا وقتل خمسة آلاف رجل، وقتل من العساكر المصرية ثمانمائة وجرح ألف وعشرون شخصا، وبعد انكسار الجيوش العثمانية عاد إبراهيم باشا إلى قونية فدخلها ظافرا منصورا ومعه الصدر الأعظم محمد رشيد باشا وهو أسير فأكرمه غاية الإكرام وأحسن معاملته وأعطاه المحل ليجلس به وجلس هو بقربه، ثم أمر إبراهيم باشا بالقهوة أن تحضر فأبى الصدر أن يشربها وخشي أن تكون مسمومة وطلب شربة من ماء فأحضرت، ولما ملأ الساقي الطاس تمهل عن أخذها وشربها فمد إبراهيم باشا يده بسرعة وشرب منها قسما كبيرا ثم قال له: خذ ولا تسىء بنا ظنا.