ووقف على هذه المدرسة مكتبة حافلة مخطوطة ومطبوعة ذكرها في كتاب وقفه المؤرخ في غرة رمضان سنة 1294، وسوّغ الانتفاع بها لكل من قصد مطالعة شيء فيها في المحل المذكور وشرط عدم إخراج شيء منها.
وكانت وفاته ليلة الثلاثاء رابع عشر ربيع الثاني سنة 1343، ودفن من الغد في تربة ترب البيض شمالي الصفا.
الشيخ محمد ابن السيد عثمان ابن الحاج محمد ابن الحاج عبد القادر الزرقا، الحلبي الأصل والمنشأ، فقيه الديار الحلبية، وعالم البلاد السورية.
كان في المذهب النعماني عيلمه الزاخر وبحره الرائق وسراجه الوهاج، وفي علم الحديث جامعه الكبير وروضه النضير، وفي غير ذلك من العلوم والفنون ينبوعا لا تكدره الدلاء، ولا ينزحه الاستقاء.
سطعت كواكب نجابته منذ حداثته، وتجلت شموس براعته قبل كهولته. سابق الأقران في حلبة الفضل فكان السابق والمجلّي، وكان غيره اللاحق والمصلّي، مع فصاحة لسان تأخذ بمجامع الألباب، وعذوبة بيان تنسي المتيم الولهان حلاوة الرضاب.
مبدأ حياته:
ولد رحمه سنة 1258. ولم تكن عائلة أبيه قبله من بيوت العلم، بل كانت أمه من سلالة قوم علماء هم بنو برهان، فهو العصامي الذي أسس دعائم العلم في هذه العائلة وبه علت منابر شهرتها. وكان طلبه للعلم في الخامسة عشرة من عمره، ومبدأ ذلك كما تلقيناه أنه كان أجيرا عند رجل عطّار في سوق بانقوسا من بني الناشد، فعزم هذا على الحج، وقبل أن يسافر أراد أن يشاركه ويسلمه الدكان مضاربة لما رآه فيه من النباهة والاستقامة، ففعل. ثم سافر للحج، فبعد سفره بدا للمترجم أن يطلب العلم، وصار يذهب صباح كل يوم إلى المدرسة القرناصية ويحضر فيها درسا ثم يعود إلى دكانه وقت الضحى. فلما حضر شريكه من الحج رآه يتأخر في فتح الدكان في حين أنها كانت بجانب حمّام رقبان، وكان يقتضي أن تفتح بكرة، فسأله عن السبب في تأخره فأخبره، فلم يوافق شريكه ذلك ولم يرض هو بترك الدرس، فعرض القضية على والده السيد عثمان، فأقبلا يتعاونان على إقناعه، ولكن عبثا حاولا، وصار هو يقنع والده ويرجوه أن يسمح له في ذلك وأن يدعو له بالتوفيق والنجاح.
ولما رأى والده إصراره على ذلك لم يجد بدا من موافقته وتركه وشأنه، وحينئذ قطع علائقه مع الشركة ولزم المدرسة القرناصية وانقطع فيها لطلب العلم وأكمل حفظ القرآن بعد أن كان حفظ جانبا منه، وأخذ في الجد والاشتغال.