وطول تلك الكتابة نحو سبعة أشبار وعرضها أربعة، والحجارة التي بجانبها والقنطرة المتوجة بها قد نقشت نقشا بديعا. وقد غدت تلك الكتابة وما احتف بها آية في البهاء وحسن المنظر. ثم بدا له فباعها واشترى عرصة واسعة مساحتها 25ألف ذراع في الأرض المسماة بجبل الغزالات شمالي حلب في شرقيها، وبنى هناك دارا عظيمة بالقرب من الثكنة العسكرية ليس هناك دار سواها، قصد بذلك تنشيط النفس وصفاء الهواء، غير أنه لم يتم له ما أراد وفاجأته المنية قبل نوال هذه الأمنية، فمرض أياما وتوفي يوم الثلاثاء في السادس
والعشرين من رجب سنة 1334، ودفن بين أقاربه وذويه في تربة مقام إبراهيم عليه السلام المعروفة بالصالحين، رحمه الله تعالى.
محمد صالح آغا ابن مصطفى آغا ابن الحاج بكّور آغا، أحد أعيان الشهباء وسراتها.
وجده الحاج بكّور آغا هو أول من سكن حلب، وقد كان قاطنا في بلدة كفر تخاريم من أعمال حلب، وكان شيخها والمشار إليه فيها، وكان مثريا سخي اليد، فمر به يوما قائمقام أنطاكية علي رضا باشا، وكان يوما كثير الأمطار، فأكرم الحاج بكور مثواه وقام به وبحاشيته أحسن قيام. ثم عيّن علي رضا باشا واليا على حلب، وذلك سنة 1245.
وفي ذلك الوقت عصا داود باشا والي بغداد، فأمر علي رضا باشا بالتوجه إلى بغداد لمحاربة داود باشا، وصارت تأتيه العساكر إلى حلب وتحتشد فيها، وأخذ علي رضا باشا في جمع الذخائر من هذه البلاد ليستصحبها معه، فتوجه مع بعض العسكر إلى ما حول حلب من البلاد وفرض على بلدة كفر تخاريم فريضة وحيث إن أهالي هذا القضاء كانوا فقراء والمترجم غنيا، فحينما بلغه ذلك قال لأهل بلدته: أنتم لا تدفعوا شيئا، أنا أعطي الجميع من مالي.
فبلغ ذلك مسامع علي رضا باشا، فسر لذلك وقدر له هذا الإحسان مع إكرامه السابق له، وحينئذ طلب منه أن يستصحبه معه إلى بغداد لفتحها، وهكذا كان، وذهب معه نحو 15شخصا من حواشيه وأقاربه. وبعد أن تم الفتح وانتصر على داود باشا وأرسله إلى الآستانة توجه هو إليها واستصحب معه الحاج بكور آغا وأدخله على السلطان محمود، فأكرمه وأنعم عليه بهدايا، وبقي هناك إلى حين وفاته بها سنة 1258.
وأما المترجم صالح آغا فقد كانت ولادته سنة 1269. ولما ترعرع قرأ على الشيخ علي الكحيل أمين الفتوى في مقدمات العلوم وعلى غيره من فضلاء عصره، فحصل من النحو وغيره طرفا، وحبب إليه العلم وأهله والأدب وذووه، ونظرا لثروته أخذ في شراء الكتب واقتنائها، فصار لديه مكتبة نفيسة كبيرة تزيد على عشر خزائن فيها عدة كتب من نفائس المخطوطات، منها شرح العلامة الزبيدي على القاموس المسمى «بتاج العروس» رأيته عنده، في تسعة مجلدات، ولما طبع هذا الشرح الجليل أرسلت هذه النسخة بالأمر من السلطان عبد الحميد خان العثماني إلى مصر، ولما طبع هذا الكتاب أعيدت إلى هنا.
محمد صالح آغا كتخداو كان المترجم يضع في كل بيت من بيوت داره الواسعة خزانة من كتبه فيطالع فيها في الأدب والتاريخ، وقد كان مولعا بهما، ويحفظ قسما كبيرا من المعلقات وغيرها. وكان منزله الخارجي (القناق) مجمعا للعلماء والأدباء أمثال شيخنا الشيخ بشير الغزي وأخيه الشيخ كامل والشاعر يوسف الداده وغيرهم.