قد جرى الدمع من العين دما ... عندما ذكرت ما كنت نسي
وإذا جزت بأكناف الحمى ... عطفت عيني لذاك المجلس
يا رعى الله زمانا سمحت ... لي به الأيام يوما وذهب
فيه أنفاس التهاني نفحت ... وكؤوس الراح تجلى من ذهب
شربت منه ظباء شطحت ... في ميادين الصفا حين غلب
حسنهم أخجل أقمار السما ... فتراهم كالجوار الكنّس
وعلى أصداغهم قد رسما ... جلّ من أيّدنا بالحرس
يا مليك الحسن جدلي بالوصال ... فالحشا ذاب ولم يبق رمق
طال ما راقبت طيفا أو خيال ... وإلى مغناك طرفي قد رمق
إن يكن بعدك عزا ودلال ... فارحم القلب الذي فيك احترق
أو يكن قصدك تضني مغرما ... فاتق الله بقتل الأنفس
فقتيل الحب والبيض الدمى ... حلل الفردوس حقا يكتسي
قسما بالجيد والخصر الرقيق ... وبورد الخد أو آس العذار
وبمن من أجله صرت رقيق ... لي حلا في حبه خلع العذار
لست أبغي بعده خلا رفيق ... مدة العمر وإن شط المزار
ومعاذ الله أن أنسى لما ... نلت منه في ظلام الحندس
كيف أسلو من بأحشاي رمى ... نار وجد كشهاب القبس
كل من رام من الله المنى ... فليعوّل نحو باب المصطفى
الذي شرف أرجاء منى ... وختام الرسل أهل الإصطفا
لذ بعلياه ولا تخش العنا ... وبذاك الظل كن مكتنفا
وأعد ذكراه بين الندما ... طيب الألحان زاكي النفس
وإذا مستك أو صاب الظما ... بكؤوس المدح راحا فاحتسي
برسول الله إني مستجير ... من تباريح التجافي والنوى
معدن الإحسان والفضل الغزير ... خير من صام وصلى ونوى
مانح الجود لذي القلب الكسير ... من له في الحشر حوض ولوا
كم له الضب صريحا كلما ... وهو الشافع في كل مسي
وعليه الله صلى كلما ... هزم الصبح جيوش الغلس
ورضاء الله يهدى بالدوام ... لأبي بكر المكنّى بالعتيق
من غدا في حبه يلقى الهيام ... من عذاب الله ناج وعتيق
وإلى الفاروق والشهم الهمام ... صهر خير الخلق عثمان الصديق
وعليّ من به الدين سما ... بطل الهيجاء أقوى فارس
وعلى آل رسول الله ما ... عشقت عيني لطرف ناعس
وكانت وفاته في رابع عشر رجب سنة 1282، ودفن خارج باب قنسرين في تربة الكليباتي. وأعقب عدة أولاد منهم من مات ولم يعقب ذكورا، ومنهم من أعقب ذكرا وهو الشيخ إسماعيل، والشيخ إسماعيل أعقب خليل أفندي والشيخ عمر أفندي والشيخ محمود أفندي، فالأولان لا زالا في قيد الحياة، ولخليل أفندي ولدان هما نبيه بك وإسماعيل أفندي، ونبيه بك هو حاكم حلب الآن تولاها في السنة التي نحن فيها وهي سنة 1345 في 19المحرم الموافق 29تموز سنة 1926.
الشيخ هاشم ابن السيد أحمد ابن السيد محمد الشهير بالطبّاخ، جدي والد أبي.
ولد رحمه الله سنة ألف ومائتين وعشرين أو قبل ذلك بسنة، ولما ترعرع تلقى مبادىء العلوم الآلية والفقهية على الأستاذ الكبير الشيخ إبراهيم الدارعزاني وعلى غيره من فضلاء ذلك العصر، وحصل طرفا صالحا من العلم، وأخذ الطريقة الخلوتية القادرية على الأستاذ المذكور ولازم زاويته، إلى أن توفي فلازم بعده ولده الشيخ محمد وسلك على يديه وصار يختلي معه الخلوة الأربعينية في كل سنة، ثم خلّفه وألبسه العرف على جاري عادتهم فيمن يخلّفونه، والعرف هو عمامة كبيرة بيضاء، ولا زالت هذه العمامة محفوظة عندي.
ورحل سيدي الجد إلى الآستانة فصار له فيها القبول التام، وعرض عليه القضاء فأبى وقال: إن لنا صنعة أغنانا الله بها عن القضاء، لأنه مع الاشتغال بالعلم والتدريس كان يتعاطى صنعة البصم المشهورة بالبصمجي، وهي صنعة أبيه من قبله، فإنه مكتوب على لوح قبره في تربة السنابلة: السيد أحمد ابن الحاج محمد الطباخ البصمجي.
وكانت وفاته سنة 1242.
وكان سيدي الجد على جانب عظيم من الصلاح والتقوى وحسن الأخلاق، كثير التهجد، ملازما للعبادة، مكبا على مطالعة كتب السادة الصوفية، واقتنى كتبا خطية نفيسة كثيرة توزعها أولاده ثم بيعت بعد ذلك، ومنها الآن جملة وفيرة في مكتبة المجلس البلدي في الإسكندرية، وعلى كثير منها خطه. وأنفس هذه الكتب كتاب «الجامع لآداب الراوي والسامع» للحافظ الخطيب مجلدان في عشرين جزءا، وهي نسخة قديمة يغلب على ظني أنها محررة في القرن السادس وعليها خطوط كثير من الحفاظ وكبار العلماء، وكتاب «أسرار التنزيل» للفخر الرازي، و «شرح منظومة الإمام النسفي» في الخلاف، و «جزء عبد الله بن المبارك» في الحديث، و «شرح المناوي الكبير على الجامع الصغير» وغير ذلك من النفائس.