ومن آثاره بناء المدرسة التي بالجلّوم بجانب جامع جده ووقف فيها مكتبة قيمة لا تقل أهمية عن مكتبة المدرسة الأحمدية، لكنها الآن تفرقت أيدي سبا، وقد تسلط عليها في أواخر القرن الماضي من لا يعرف لها قيمة ومد يده لها دون ممانع ولا معارض، فكان يهدي منها للقضاة والكبراء الذين يأتون حلب، وبقي منها بقية كانت موضوعة منذ عشرين سنة في خزانة داخل القبة التي فيها ضريح أبي يحيى، ولابد أنها تعطلت بتاتا من الرطوبة
والعفونة التي في هذه الخزانة، ولا سائل عنها وإلى الله المشتكى.
وكان فيها من مؤلفات الكواكبية كما جاء في كتاب وقفها تعليقات الكواكبية على سورة طسم، وثلاث مجاميع بخط المترجم وحاشية له، وحاشيتان لمحمد بن الحسن الكواكبي على العصام وسعدي في التفسير، ومجموعتان له، وشرحا منظومتيه في الفقه والأصول اللذان وفقني المولى لطبعهما، وذيل تراجم له وحواشيه على المواقف، وحاشية لولده أحمد أفندي على شرح والده لمنظومته الأصولية، ورحلة له إلى الآستانة نظما، ومجموعة رسائل أدبية، وفتاوي لأبي السعود أفندي وغير ذلك من آثار تلك العائلة، والجميع قد تبعثر، غير أن فتاوي أبي السعود آلت الآن إلى مكتبة المدرسة الخسروية التي نقلت حديثا إلى المدرسة الشرفية وراء الجامع. ويوجد عدة من هذه المؤلفات في مكتبة المدرسة الأحمدية وفي مكاتب الآستانة لأن الكثير من هذه العائلة توطن هناك.
ولما توفي المترجم في التاريخ المتقدم دفن في جامع جده أبي يحيى، ورثاه الشاعر الأديب الشيخ عبد الله بن عطاء الله الصحاف بقصيدة طويلة أثبتها ولد المترجم في كتاب «النفائح واللوائح» قال في مطلعها:
لا زال صوب الرضا والعفو ينسكب ... على ثرى ماجد تزكو به الكتب
من اجتلى بهجة الدنيا وزهرتها ... ونال عيشا رخيا فوق ما يجب
قد كان في حلب الشهباء كوكبها ... بنوره يهتدي السارون والنجب
فأوسع الآمل الجدوى ونائله ... كما استطار العدى من أفقه الشهب
ولم يزل مع روق العيش معتنيا ... بالدين شهما تقيا زانه الحسب
(ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا) ... لا مانعا يمنع المولى إذا يهب
ومنها:
وأمة الفضل تحويهم منازله ... لم يخل عنهم ذراه الواسع الرحب
كأنهم فيه إياه إذا حضروا ... ونشوة الأنس تدعوهم إذا احتجبوا
وللقريض عكاظ في مجالسه ... يكسى بتاج قبول عنده الأدب
مصطفى بن أبي بكر بن تاج الدين الكوراني الأصل الحلبي المولد والمنشأ.
فقيه اشتق وصفه من الشقائق النعمانية، وتحلى جيده بفرائد الأقوال النعمانية، واحد يشار إليه عند خفاء الكناية، وعلم تضاف إليه أرباب النهاية، النجم الذي يلوذ به الساري، والشهاب الذي تنحط عنده الدراري، من ينادي على السعد وسعد مشتمل، ما هكذا تورد يا سعد الإبل، لو شافه عمر البصري لأذعن له ابن زياد، ولو نصب بعد المفاجأة لأفصح بها أهل البواد، ولو ناظر الكسائي في دقائق الأدب، لمثل هشام بين يديه بالأدب، ولو ساجل أبا الطيب في منسرحه ومضارعه، لوقف ابن الحسين عن إجازة الثواني من مطالعه، ماء الفصاحة يقطر من لسانه، ودرر البلاغة تتحلى بجمانه، وأبحاث التحقيق عنده هائجة، وأسواق الفضائل في بيته رائجة، يعير الصبا من دماثة أخلاقه، ويهدي إلى الربا نضارة أعراقه، ويدع الجليس مشوفا بجنابه العامر، وعندك ذكر من بثينة وعامر.