ومما نأسف له أن لم يتصد لتأليف شيء من الكتب، ولعل اشتغاله بالدروس وأمانة
الفتوى والضيق الذي كان في صدره هو المانع له من التصدي لذلك.
وكان رحمه الله مربوع القامة، درّي اللون، أشهل العينين، مستدير الوجه، ممتلىء الجسم، خفيف اللحية، لين قشرة المعاشرة، دمث الأخلاق، متواضعا، كريم النفس، بعيدا عن كل دنية، وقورا، محتشما.
وفي الجملة فقد كان حسنة من حسنات الشهباء وركنا من أركان العلم فيها، عرف فضله الداني والقاصي، وتلقى الفقه عنه كثيرون، منهم الشيخ علي العالم قاضي حلب الآن والشيخ عمر المرتيني والمحامي الشيخ عبد القادر السرميني والشيخ أحمد سراج الدين ابن خالته بنت الشيخ أحمد الترمانيني وغيرهم.
الشيخ محيي الدين الباذنجكي ابن الشيخ سعيد ابن السيد عبد الواحد بن مصطفى بن عبد الرحمن النبهاني المشهور بالباذنجكي، العالم العامل التقي المرشد.
ولد رحمه الله سنة 1242. ولما ترعرع انتظم في سلك الطلاب، فتلقى العلوم الآلية والفقهية والحديثية على الأستاذ الكبير الشيخ أحمد الترمانيني، وتلقى الحساب والفرائض على الشيخ عمر ابن السيد محمد بن شيخ أفندي، وتلقى النحو أيضا وعلم التفسير والفقه عن أمين الفتوى الفقيه الشيخ مصطفى ابن السيد محفوظ الريحاوي، قرأ عليه حاشية الصاوي على الجلالين. وجاور في المدرسة القرناصية خمس سنين وهو دائب فيها على الاشتغال.
وأخذ الطريقة القادرية الخلوتية عن الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ إبراهيم الهلالي، وبقي في خدمته نحو عشر سنين، وأبوه كان آخذا لها عن الشيخ المذكور كما تقدم في ترجمته.
ولما توفي الشيخ محمد أخو المترجم، وذلك سنة 1260، قعد بعد أخيه على السجادة القادرية في المدرسة الطرنطائية داخل باب النيرب بالقرب من باب الملك، وصار يقيم الذكر كأسلافه بعد عصر كل خميس مع الإرشاد والتسليك، وصار له مريدون لا يحصون.
وكان لما لديه من العلم يقرأ الفقه والنحو وغير ذلك لطلبة معظمهم من أهل محلته ومريديه، مع المواظبة على العبادة والانقطاع إليها وعدم الخروج إلى الأسواق إلا نادرا.
وكان رحمه الله على طريقة حسنة، لا يتعاطى ما يتعاطاه بعض الجهلة المنسوبين إلى الطريق من كتابة حجب وتعاويذ لا تفهم معانيها ولا يدرى ما هي، بل كان إذا أتي بالمرضى قرأ لهم ما تيسر من القرآن وما جاء في ذلك من الأحاديث النبوية، ويكتب لهم تعاويذ كذلك، وكان الناس يرون بركة قراءته وتعاويذه ويشفى الكثير منهم بإذن الله تعالى نظرا لصلاحه وتقواه وعظيم اعتقادهم فيه.