إلهي قد نزلت بضيق لحد ... بأوزار ثقال مع عيوب
وعفوك واسع وحماك حصن ... وأنت الله غفار الذنوب
قال: ومن العجيب كونه لم يكن يلحن مع عدم اشتغاله بالعربية، ولكنه كان يحكي أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله في إصلاح لسانه فأطعمه حلوى عجمية فكان لا يخطىء بالعربية. مات في سنة إحدى وثلاثين اهـ.
هو الجد الثاني للعلامة رضي الدين محمد الحنبلي صاحب «در الحبب» .
وقد ترجمه في تاريخه هذا فقال: هو عبد الرحمن ابن الشيخ بدر الدين الحسن بن محمد ابن أحمد بن داود بن سليمان أقضى القضاة زين الدين أبو البشرى وأبو محمد الربعي التاذفي الحلبي الحنبلي، جدي الثاني لأبي.
قطن ببلدة حلب وتأهل فيها بزينب بنت الشهاب أحمد بن عبد الواحد بن علي بن محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن يوسف بن عبد الواحد السعدي العبادي الأنصاري الحنفي والدها، فولد منها جدي الجمال الحنبلي، وكان قد اقام بتاذف، وهي بالمثناة الفوقية والمعجمة المكسورة موضع على بريد من حلب بين الباب وبزاعا، لأنه بوادي بطنان الواقع بينهما، ويومئذ كان أخذه لمذهب الإمام أحمد رضي الله عن قاضي القضاة شرف الدين موسى بن أبي الجود فياض بن عبد العزيز بن فياض المقدسي النابلسي الحنبلي قاضي حلب لما اعتزل عن وظيفة القضاء وقطن بالباب مهاجرا عن حلب إليها لديانة كانت عنده كما أخبرني بذلك عمي الكمال الشافعي عن أبيه.
وكانت ولاية القاضي شرف الدين لقضاء حلب سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. قال ابن حجر في إنبائه: وهو أول حنبلي قضى بها استقلالا. مات سنة ثمان وسبعين وسبعماية بعد أن أعرض عن الحكم وانقطع للعبادة اهـ.
ثم ولي جدي القاضي زين الدين خلافة الحكم العزيز بالباب وأعمالها، فقد كان مأذونا له في نصب ذي مذهب يخالف مذهبه أيضا. وبقي حاكما بها على ما وجدته في بعض الوثايق الشرعية إلى سنة اثنتين وثلاثين وثمانماية، وتوفي بعدها بقليل. فقد أخبرني من أثق به أن ولده جدي الجمال الحنبلي ولد سنة خمس وعشرين وثمانماية، ولما حج والده أخذه
معه صغيرا وحمله وطاف به ثم مات عنه وهو دون البلوغ. وفي تاريخ الشيخ أبي ذر أنه كان حاكما بالباب نيابة عن الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن الخراط الشافعي وأنه كان دينا خيرا عفيفا مع ما ذكره أيضا من أنه كان حنبليا تيميّا، بيانا لما هو الواقع، لا قدحا فيه، كيف وأن شأن الشيخ تقي الدين ابن تيميّة الحراني الحنبلي أجل من أن يقدح فيه أو في متبعيه، حتى إن العلاء البخاري لما قال بكفره وكفر من لقبه بشيخ الإسلام كتب الشمس محمد بن ناصر الدين كتابا (1) جمع فيه كلام من أثنى عليه من أصحاب المذاهب الأربعة ومن لقبه بشيخ الإسلام وبعث به إلى القاهرة ليكتب عليه علماؤها، فكتب عليه الحافظ ابن حجر ما فيه الثناء عليه إلى أن قال: ولو لم يكن من الدليل على إمامته إلا ما نبه عليه الحافظ الشهير علم الدين البرزالي في تاريخه أنه لم يوجد في الإسلام من اجتمع في جنازته لما مات ما اجتمع في جنازة الشيخ تقي الدين وأشار إلى أن جنازة الإمام كانت حافلة جدا، ولكن لو كان بدمشق من الخلايق نظير من كان ببغداد بل أضعاف ذلك لما تأخر أحد منهم عن شهود جنازته. إلى أن قال: وهذه تصانيفه طافحة بالرد على من يقول بالتجسيم والتبري منه، ومع ذلك فهو بشر يخطىء ويصيب، فالذي أصاب فيه وهو الأكثر يستفاد منه، والذي أخطأ فيه لا يقلد فيه بل هو معذور لأن أئمة عصره شهدوا له بأن أدوات الاجتهاد اجتمعت فيه اهـ.