أقول: إن البعض ممن تولى هذا الوقف في القرن الماضي من ذرية الواقف لم يكن حسن الإدارة فأعطى الخان المعروف بخان النحاسين والخان المعروف بخان الفرايين وقاسارية الفرايين وبعض حوانيت من خان العلبية والقاسارية الواقعة بين حمام النحاسين وبين مدخل الجامع من الباب الغربي التي هي الآن مدرسة للراهبات الإفرنسيسكان بطريق الأجارتين التي لا تستعمل للغاية التي جعلت لها بل صارت موضعا لتلاعب المتولين حتى صار كل وقف يؤجر بهذه الطريقة مآله إلى الضياع بتاتا كما هو مشاهد في كثير من الأماكن التي كانت وقفا. ولما آلت التولية إلى متوليه الحالي فؤاد بك العادلي قام بأعباء هذا الوقف قياما حسنا ورممه وضبط
أموره واتخذ الرواق العلوي في القاسارية المعروفة بقاسارية خان العلبية مخزنين كبيرين مستطيلين باب أحدهما من سوق الجوخ وباب الثاني من سوق النحاسين.
وكان في مدخل باب الجامع الغربي مصبغة واسعة وراءها أول الجنينة فاتخذها منذ خمس سنوات مع ما يحاذيها من الجنينة خانا صغيرا حسنا بابه يقابل باب الخان المعروف بخان العبسي. والدكاكين التي على طرفي هذا الخان أخرجت قبل ذلك من هذه المصبغة ومن تلك الجنينة وألحق الجميع بأوقاف الجامع.
موقعه في المحلة المعروفة بالسفاحية على التلة التي كانت معروفة بتلة عائشة، وهو معدود من الجوامع العظيمة في حلب متقن البناء وقبليته مزخرفة بأنواع الزخرفة، وهي قبة واحدة واسعة عظيمة الارتفاع، وفي أطرافها الثلاث الشرقي والغربي والشمالي ثمانية أواوين، والقنطرة على باب القبلية حجارتها نافرة مدلاة إلى الخارج ذات هندسة بديعة تحتها على طرفي مدخل القبلية عمودان من الرخام منقوشان بأبدع النقوش الملونة، وأمام القبلية رواق عظيم ذو أعمدة صخمة، ويكتنف القبلية من الجهات الثلاث جنينة حسنة فيها أنواع. من الأشجار تأتيك في زمن الصيف بنسيم لطيف. وفي الجهة الشرقية من القبلية تربة فيها قبور ذرية الواقف، وفي السنة الماضية وهي سنة 1342صرف متولي الوقف فؤاد بك العادلي من ذرية الواقف في إصلاح هذا الجامع وتزيينه أزيد من ألفي ليرة عثمانية ذهبا فدهن قبليته بأنواع الدهانات البديعة وكشط جدرانها فعادت بيضاء كأن البناء خرج منها اليوم. وكانت سقوف رواقها التي بجانب الصحن من الخشب فرفعه لقدمه وتوهنه واتخذها من الحديد. وكان في غربي الرواق حوض مكشوف متى بقي الماء فيه أياما قلائل يظهر خبثه فحوله إلى قسطل واسع مغطى ذي حنفيات للوضوء فوقها رفرف من الحديد فحفظ بذلك من أسباب التلويث ومن التجلد في أيام البرد الشديد.
قال في السالنامة: ولي حلب هذه السنة بير بك بن خليل بك.
قال القرماني في الكلام على الدولة الرمضانية: ولي السلطان سليمان (بيري بك) بن
خليل بك نيابة حلب ثم الشام، ثم رده إلى مكان أبيه وجده بطلبة (في آدنة) ولم يزل بها إلى أن مات في حدود سنة سبعين وتسعمائة. وكان على جانب عظيم من الصلاح، وكان كثير الخيرات والمبرات، وقد بنى بمدينة آدنة جامعا حسنا وعمارة لطيفة يفرق منها الطعام للفقراء وأبناء السبيل، وبنى بها حماما وخانا وسوقا.