فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 2877

قال ابن خلكان: أبو سعيد كوكبوري بن أبي الحسن علي بن بكتكين الملقب الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل، ولما توفي والده ولي موضع أبيه وعمره أربع عشرة سنة، وكان أتابكه مجاهد الدين قايماز، فأقام مدة ثم تعصب مجاهد الدين عليه وكتب محضرا أنه ليس أهلا لذلك، وشاور الديوان العزيز (أي الخليفة في بغداد) في أمره واعتقله وأقام أخاه زين الدين أبا المظفر يوسف مكانه، وكان أصغر منه، ثم أخرج مظفر الدين من البلاد فتوجه إلى بغداد فلم يحصل له بها مقصود، فانتقل إلى الموصل ومالكها يومئذ سيف الدين غازي بن مودود فاتصل بخدمته وأقطعه مدينة حران، فانتقل إليها وأقام بها مدة، ثم اتصل بخدمة السلطان صلاح الدين وحظي عنده وتمكن منه وزاده في الإقطاع الرها في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وأخذ صلاح الدين الرها من ابن الزعفراني وأعطاها مظفر الدين مع حران وأخذ الرقة من ابن حسان وأعطاها ابن الزعفراني، ثم أعطاه سميساط وزوجه أخته الست ربيعة خاتون بنت أيوب. وشهد مع صلاح الدين مواقف كثيرة وأبان فيها عن نجدة

وقوة نفس وعزمة، وثبت في مواضع لم يثبت فيها غيره على ما تضمنه تواريخ العماد الأصفهاني وبهاء الدين بن شداد وغيرهما، وشهرة ذلك تغني عن الإطالة فيه. ولو لم يكن إلا وقعة حطين لكفته فإنه وقف هو وتقي الدين صاحب حماة وانكسر العسكر بأسره، ثم لما سمعوا بوقوفهما تراجعوا حتى كانت النصرة للمسلمين وفتح الله سبحانه عليهم. ثم لما كان السلطان صلاح الدين منازلا عكا بعد استيلاء الفرنج عليها وردت عليه ملوك الشرق تنجده وتخدمه، وكان في جملتهم زين الدين يوسف أخو مظفر الدين وهو يومئذ صاحب إربل، فأقام قليلا ثم مرض وتوفي سنة ست وثمانين وخمسمائة بالناصرة، فلما توفي التمس مظفر الدين من السلطان أن ينزل عن حران والرها وسميساط ويعوضه إربل، فأجابه إلى ذلك وضم إليه شهرزور فتوجه إليها في هذه السنة. هذه خلاصة أمره.

سيرته وآثاره:(اقرأ وتأمل)

قال: وأما سيرته فلقد كان له في فعل الخيرات غرائب لم يسمع أن أحدا فعل في ذلك ما فعله. لم يكن في الدنيا شيء أحب إليه من الصدقة، كان له كل يوم قناطير مقنطرة من الخبز يفرقها على المحاويج في عدة مواضع من البلد يجتمع في كل يوم خلق كثير ويفرق عليهم في أول النهار. وكان إذا نزل من الركوب يكون قد اجتمع عند الدار جمع كثير فيدخلهم إليه ويدفع لكل واحد كسوة على قدر الفصل من الشتاء والصيف أو غير ذلك، ومع الكسوة شيء من الذهب من الدينار والاثنين والثلاثة وأقل وأكثر. وكان قد بنى أربع خانقاهات للزمنى والعميان وملأها من هذين الصنفين وقرر لهم ما يحتاجون إليه كل يوم، وكان يأتيهم بنفسه في كل عصرية اثنين وخميس ويدخل عليهم ويدخل إلى كل واحد في بيته ويتفقده بشيء من النفقة ويسأله عن حاله، وينتقل إلى الآخر وهكذا حتى يدور على جميعهم وهو يباسطهم ويمزح معهم ويجبر قلوبهم. وبنى دارا للنساء الأرامل ودارا للصغار الأيتام ودارا للملاقيط ورتب بها جماعة من المراضع وكل مولود يلتقط يحمل إليهم فيرضعنه، وأجرى على أهل كل دار ما يحتاجون إليه في كل يوم وكان يدخل إليها في كل وقت ويتفقد أحوالهن ويعطيهن النفقات زيادة على المقرر لهن، وكان يدخل إلى البيمارستان ويقف على مريض مريض ويسأله عن مبيته وكيفية حاله وما يشتهيه. وكان له دار مضيف يدخل إليها كل قادم على البلد من فقيه أو فقير أو غيرهما، وعلى الجملة فما كان يمنع منها كل من قصد الدخول إليها ولهم الراتب في الدار في الغداء والعشاء، وإذا عزم الإنسان على السفر أعطوه نفقة على ما يليق بمثله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت