حلب وأراح بها وطرقه مرض أبطأ به عن مصر، وجاءت الأخبار بأن تمرلنك عاث في مخلفه واستصفى ذخائره واستوعب موجود أهل بغداد بالمصادرات لأغنيائهم وفقرائهم حتى مستهم الحاجة وأقفرت جوانب بغداد من العيث.
ثم قدم أحمد بن أويس على السلطان بمصر في شهر ربيع سنة ست وتسعين مستصرخا به على طلب ملكه والانتقام من عدوه، فأجاب السلطان صريخه ونادى في عسكره بالتجهيز إلى الشام. وقد كان تمرلنك بعد ما استولى على بغداد زحف في عساكره إلى تكريت مأوى المخالفين وعش الحرابة ورصد السابلة وأناخ عليها بجموعه أربعين يوما فحاصرها حتى نزلوا على حكمه وقتل من قتل منهم ثم خربها وأقفرها، وانتشرت عساكره في ديار بكر إلى الرها ووقفوا عليها ساعة من نهار فملكوها وانتسفوا نعمها وافترق أهلها، وبلغ الخبر إلى السلطان فخيم بالريدانية أياما أزاح فيها علل عسكره وأفاض العطاء في مماليكه واستوعب الحشد من سائر أصناف الجند، واستخلف على القاهرة النائب سودون وارتحل على التعبية ومعه أحمد بن أويس بعد أن كفاه مهمه وسرب النفقات في تابعه وجنده، ودخل دمشق آخر جمادى الأولى وقد كان أوعز إلى جلبان نائب حلب بالخروج إلى الفرات واستنفار العرب والتركمان للإقامة هناك رصدا للعدو، فلما وصل إلى دمشق وفد عليه جلبان وطالعه بمهماته وما عنده من أخبار القوم ورجع لإنفاذ أوامره والفصل فيما يطالعه فيه، وبعث السلطان على إثره العساكر مددا له مع كمشبغا الأتابك وتكلمش أمير سلاح وأحمد بن بيبغا، وكان العدو قد شغل بحصار ماردين فأقام عليها أشهرا وملكها وعاثت عساكره فيها واكتسحت نواحيها وامتنعت عليه قلعتها، فارتحل عنها إلى ناحية بلاد الروم ومرّ بقلاع الأكراد فأغارت عساكره عليها واكتسحت نواحيها، والسلطان لهذا العهد وهو شعبان سنة ست وتسعين مقيم بدمشق مستجمع لنطاحه والوثبة به متى استقبل جهته اه.
قال ابن إياس: إن السلطان رحل من الريدانية وصحبته القان أحمد بن أويس وسائر الأمراء وجدّ في السير حتى وصل إلى دمشق يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الآخر،
فلما دخلها نزل بالقصر الأبلق الذي في الميدان وحكم بين الناس وأقام بالشام أياما ثم رحل عنها وتوجه إلى حلب، فلما أقام بحلب حضر إليه قاصد من عند ابن عثمان (السلطان بايزيد رحمه الله) وعلى يده مطالعات مضمونها أن يكون هو والسلطان يدا واحدة على دفع العدو الباغي تمرلنك، فأجابه السلطان إلى ذلك ورد له الجواب عن ذلك بما يطيب خاطره، ثم حضر إليه قاصد طقتمش خان صاحب بسطام وعلى يده مطالعات تتضمن ما قاله ابن عثمان، فأجابه السلطان كما أجاب ابن عثمان، فلما أقام السلطان بحلب بلغه أن جاليش عسكر تمرلنك قد وصل إلى البيرة، فصار جماعة من عسكر السلطان يعدون تحت الليل من الفرات ويكبسوا عليهم فغنموا من عسكر تمرلنك أشياء كثيرة، فقيل إن عسكر مصر كانوا ينفخون القرب ويجعلونها تحت بطون الخيل ويعدون من الفرات تحت الليل حتى يقعوا مع عسكر تمرلنك. ثم بلغ السلطان أن تمرلنك رجع إلى بلاده (1) ، ولما تحقق السلطان ذلك قصد الرجوع إلى الديار المصرية، وكذلك القان أحمد بن أويس رجع إلى بلاده، ولم يقع بين السلطان وبين الملك الظاهر برقوق قتال في هذه المرة بل رجع كل من الفريقين إلى بلاده.