وأما يونس نائب عينتاب فإنه ندم على فعله مع كرتباي (الذي توجه للكشف ومر على عينتاب فأظهر له النائب ميله إلى السلطان سليم) وقال في نفسه ربما تكون النصرة لهم فلا آمن على نفسي ولكن أجعل لي معهم وجها، وركب من ساعته إلى أن تمثل بين يدي الغوري وزعم أن السلطان سليما قبض عليه وأنه هرب منه وجاء إلى مولانا السلطان مساعدا له على عدوه، فلم تنطل حيلته على السلطان، ثم أمر بتوسيطه في الوقت والساعة فوسط والأمراء والأعيان كلهم مجتمعون، فقام من بينهم الأمير سيباي نائب الشام وقبض على خاير بك نائب حلب وجره من طوقه بين يدي السلطان الغوري وقال: يا مولانا السلطان إذا أردت أن الله ينصرك على عدوك فاقتل هذا الخائن، وكان خاير بك في يده كالشاة بين يدي السبع وهو يجره، فقام الأمير جانبر دي الغزالي وقال: يا مولانا السلطان لا تفتن العسكر وتبدأ في قتال بعضهم بعضا وتذهب أخباركم إلى عدوكم ويزداد طمعه فيكم وتضعف شوكتكم والرأي لكم، وتأخر في مكانه وهذه مكيدة من الغزالي وإلا كان خاير بك قد هلك، فعند ذلك أمرهم السلطان أن يتحالفوا ثانيا وأن لا يخون منهم أحد والخائن يجازيه الله تعالى وعليه لعنة الله. ثم أمر السلطان أن ينادى في حلب بالرحيل منها بالعسكر لقتال السلطان سليم وأن يتأهب كل واحد ويستفيق لنفسه، وكان ذلك في يوم الجمعة ثاني رجب سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة وكان له موكب حتى رجت الأرض وليس الخبر
كالعيان. وكان الجلبان ثلاثة عشر ألف مملوك كلهم مشترى الغوري ولا واحد منهم إلا ويعرف سائر أنواع الحرب والفروسية فإنه كان مجتهدا في تعليم الجلبان، وكان قصده أن ينشىء له عسكرا من مماليكه الذين يشتريهم ويقطع القرانصة وهم مماليك الملوك الذين قبله، وكان يحسب حسابهم خوفا من أن يمكروا به كما فعلوا بمن قبله، وكان آخذا حذره ولكن الحذر لا ينفع من القدر.
قال المحلي: لما أمر الغوري بالخروج إلى الحرب خرج جميع العسكر وأدعوا جميع أموالهم عند أهل حلب بعد أن كدروا عليهم غاية التكدير وآذوهم غاية الأذى، فلما خرجوا من عندهم دعا عليهم الكبير والصغير والغني والفقير لما حصل لهم من الضرر منهم.
قال ابن إياس: ثم إن السلطان أنعم على الأمير عبد الرزاق وولاه على إقليم أولاد دلغادر، فخرج من حلب وصحبته ملك الأمراء خاير بك في موكب حافل، فخرج نائب حلب وأمراؤها وعساكرها ونزلوا عن حلب بيوم وصحبتهم من المشاة خمسة آلاف ماش.
ثم خرج بعدهم ملك الأمراء سيباي نائب الشام وتمراز نائب طرابلس وطراباي نائب صفد ونائب حمص ونائب غزة فخرجوا من حلب يوم السابع عشر من شهر رجب وقد أشيع أن ابن عثمان ماش من جهة وابن سوار ماش من جهة. ثم خرج السلطان من ميدان حلب يوم الثلاثاء في العشرين من رجب بعد أن صلى الظهر وصحبته أمير المؤمنين المتوكل على الله والقضاة الأربعة، وكان قد تقدمه نائب الشام ونائب حلب وجماعة من النواب فخرجوا بأطلاب حربية وطبول وزمور ونفوط حتى رجت لهم حلب، فلما خرج السلطان من حلب توجه إلى حيلان فبات فيها.