فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 2877

يعلم الملك الناصر أننا نزلنا بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة وفتحناها بسيف الله تعالى وأحضرنا مالكها وسألناه مسألتين فلم يجب لسؤالنا فلذلك استوجب منا العذاب كما قال في قرآنكم {إِنَّ اللََّهَ لََا يُغَيِّرُ مََا بِقَوْمٍ حَتََّى يُغَيِّرُوا مََا بِأَنْفُسِهِمْ} وصان المال فآل الدهر به إلى ما آل، واستبدل النفوس النفسية بنقوش معدنية خسيسة، وكان ذلك ظاهر قوله تعالى {وَجَدُوا مََا عَمِلُوا حََاضِرًا} لأننا قد بلغنا بقوة الله الإرادة ونحن بمعونة الله تعالى في الزيادة، ولا شك أنّا نحن جند الله في أرضه خلقنا وسلطنا على من حل عليه غضبه، فليكن لكم فيما مضى معتبر، وبما ذكرناه وقلناه مزدجر. فالحصون بين أيدينا لا تمنع، والعساكر للقائنا لا تضر ولا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يستجاب ولا يسمع، فاتعظوا بغيركم وسلموا إلينا أموركم قبل أن ينكشف الغطا ويحل عليكم الخطا، فنحن لا نرحم من شكا ولا نرق لمن بكى، قد أخربنا البلاد وأفنينا العباد وأيتمنا الأولاد وتركنا في الأرض الفساد. فعليكم بالهرب وعلينا بالطلب، فما لكم من سيوفنا خلاص ولا من سهامنا مناص. فخيولنا سوابق وسهامنا خوارق وسيوفنا صواعق. وعقولنا كالجبال وعددنا كالرمال. فمن طلب منا الأمان سلم. ومن طلب الحرب ندم. فإن أنتم أطعتم أمرنا وقبلتم شرطنا كان لكم مالنا وعليكم ما علينا، وإن أنتم خالفتم أمرنا وفي غيكم تماديتم فلا تلومونا ولوموا أنفسكم. فالله عليكم يا ظالمين فهيئوا للبلايا جلبابا وللرزايا أترابا، فقد أعذر من أنذر وأنصف من حذر، لأنكم أكلتم الحرام وخنتم الأيمان وأظهرتم البدع واستحسنتم الفسق بالصبيان، فأبشروا بالذل

والهوان، فاليوم تجدون ما كنتم تعملون {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} فقد ثبت عندكم أننا كفرة وثبت عندنا أنكم فجرة، وسلطنا عليكم من بيده الأمور مقدرة والأحكام مدبرة، فعزيزكم عندنا ذليل وغنيكم لدينا فقير. ونحن مالكون الأرض شرقا وغربا وأصحاب الأموال نهبا وسلبا وأخذنا كل سفينة غصبا. فميزوا بعقولكم طرق الصواب قبل أن تضرم الحرب نارها وترمي بشرارها، فلا تبقي منكم باقية وتبقى الأرض منكم خالية.

فقد أنصفناكم حين راسلناكم وأعذرنا كم إذ أنذرناكم، فسارعوا إلينا برد الجواب بتة قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم تعلمون اه.

فطلبه ليحضر عنده، ولما شاور الأمراء لم يمكنوه من المشي إلى هولاكو وبقي متحيرا خائفا مذعورا لم يدر ما يصنع، غير أنه استخار الله وسيّر ولده الملك العزيز وصحبته الأموال الكثيرة والهدايا والتحف، وبقي هناك من أوائل الشتاء إلى الربيع، ثم عاد إلى أبيه قائلا: قد قال ملك الأرض نحن للملك الناصر طلبنا لا لولده، فالآن إن كان قلبه صحيحا معنا يجيء إلينا وإلا فنحن نمشي إليه. فلما سمع الملك الناصر ذلك بقي مترددا في رأيه لأن الأمراء لم يمكنوه من المشي إليه وهو فقد وقع عنده الخوف والجزع ولم يطمئن على القعود اه.

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، قل اللهم مالك الملك إلخ الآية. وقفنا والحمد لله والصلاة على رسول الله محمد وآله وسلم على كتاب من الحضرة الأيلخانية والسدة السلطانية بصّرها الله رشدها وصيّر الحق والصواب مقبولا عندها، فعرفنا من تفصيله وجملته ما أبان أنكم مخلوقون من سخط الله ونقمته وأنكم مسلطون على من حل عليه غضبه في محنته، لا ترقون لشاك ولا ترحمون عبرة باك، قد نزع الله الرحمة من قلوبكم، وذلك كله من جملة عيوبكم، ولقد كشفتم عن الأمر الخفي لأنه لا ينتزع الرحمة إلا من قلب شقي، وهذه صفات الشياطين لا صفات السلاطين، وكفى بهذا لكم واعظا شافيا وبما وصفتم به أنفسكم رادعا كافيا {قُلْ يََا أَيُّهَا الْكََافِرُونَ لََا أَعْبُدُ مََا تَعْبُدُونَ} ففي كل كتاب لعنتم وعلى لسان كل نبي أهنتم وبكل بيان بالقبيح عرفتم ووصفتم، وعندنا خبركم من حيث خلقتم وأنتم الكفرة الظلمة كما زعمتم {أَلََا لَعْنَةُ اللََّهِ عَلَى الظََّالِمِينَ} وقلتم عنا إننا أظهرنا البدع في الإيمان واستحلينا الفسوق والعصيان، لا غرو أن كان فرعون مذكرا والظالم

ناهيا منكرا، وكل من تمسك بالأصول لا يبالي بالفروع، بالإيمان ندرأ فعل العصيان ونحن المؤمنون حقا، لا يداخلنا عيب ولا يخامرنا ذم ولا ريب، والقرآن علينا نزل وربنا رحيم بنا لم يزل، قد تحققنا تنزيله وعرفنا أسراره وتأويله، والجنة لنا زخرفت والجحيم لكم خلقت ولخلودكم فيها سعرت، إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت، ومن أعجب العجب تهديد الرتوت باللتوت والسباع بالضباع، خيولنا عربية وسهامنا يمينة ولتوتنا صعيدية وسيوفنا مصرية، وهي شديدة المضارب موصوفة في المشارق والمغارب، وإنا لا يصدع قلوبنا التهديد وجمعنا لا يخاف التفرقة والتبديد، ولو أننا نستف الصعيد فإنا لا نميل ولا نبيد، وذلك بتأييد العزيز الحميد، إن عصيناكم فتلك الطاعة وإن قاتلناكم فنعم البضاعة، وإن قتلنا أو قتلنا فبيننا وبين الجنة ساعة. وأما قولكم قلوبنا كالجبال وعديدنا كالرمال فإن القصّاب لا يبالي بكثرة الغنم، وكثير من الحطب يحرقه قليل من الضرم، والفرار من الدنايا لا من المنايا، وهجوم المنية هي عندنا غاية الأمنية، وإنا إن عشنا عشنا سعداء وإن متنا متنا شهداء. أبعد أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين تطلبون منا الطاعة، لا سمع لكم ولا طاعة، لا نعطى الذلة وبأيدينا سيوف حداد وبين أيدينا رجال شداد، وزعمتم أن نلقي إليكم أمرنا قبل أن ينكشف الغطا وينزل علينا منكم الخطا، هذا كلام فيه لحن وتمكيك وفي نظمه تبديل وتركيك، فسوف ينكسر منكم المطا وتقصر منكم الخطا، أكفر بعد إيمان أم تكذيب بعد تبيان أم طاعة صلب وأوثان أم تدعون مع الله إلها ثان {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكََادُ السَّمََاوََاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبََالُ هَدًّا} فقولوا لكاتبكم الذي رصف رسالته وصفف مقالته ما قصرت، أوجزت وأبلغت واختصرت، ووصل إلينا كتابك وفهمنا ما تضمنه خطابك، فكان عندنا كصرير الباب أو كطنين الذباب، ما كان الغرض إلا إعلان فصاحتك وإظهار محض نصيحتك، وقد يستفيد الظنة المتنصح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت