ثم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء في الإيوان الشمالي وحفظ باب القلعة إلا عن الخواص والأمراء والمعممين، وكان يوما عظيما، قد شغل كل إنسان ما عنده من الحزن والأسف والبكاء والاستغاثة في أن ينظر إلى غيره، وحفظ المجلس عن أن ينشد فيه شاعر أو يتكلم فيه فاضل وواعظ. ثم اشتغل بتغسيله وتكفينه، فما أمكننا أن ندخل في تجهيزه ما قيمته حبة واحدة إلا بالقرض حتى في ثمن التبن الذي يلت به الطين. وغسله الدولعي الفقيه، ونهضت إلى الوقوف على غسله ولم تكن لي قوة تحمل ذلك المنظر. وأخرج بعد صلاة الظهر في تابوت مسجى بثوب فوط، وكان ذلك وجميع ما أحتاج إليه من الثياب في تكفينه قد أحضره القاضي الفاضل من وجه حل عرفه، وارتفعت الأصوات عند مشاهدته
وعظم من الضجيج والعويل ما شغلهم عن الصلاة فصلى عليه الناس أرسالا. وكان أول من أمّ بالناس القاضي محيي الدين بن الزكي، ثم أعيد إلى الدار التي في البستان وكان متمرضا بها، ودفن في الصفة الغربية منها.
قال في الروضتين ما خلاصته: لما توفي السلطان رحمه الله دفن بالقلعة في منزله، وما زال الأفضل بن صلاح الدين يتروى موضعا ينقله إليه، ثم استقرأ حدود الجامع ليجعل التربة فيها فوفق لدار كانت لبعض الصالحين وهي في حد المكان الذي زاده الأجل الفاضل في المسجد، فاشتراها منه وأمر بعمارتها قبة فعمرت، ونقل إليها السلطان يوم عاشوراء من سنة اثنتين وتسعين.
ثم قال نقلا عن محمد بن القادسي المؤرّخ: إنه دفن معه سيفه الذي كان معه في الجهاد، وكان ذلك برأي الفاضل.
ومن كلام بعضهم في وفاة السلطان: أفلت الشمس عند الصباح، وذهبت روح الدنيا الذي ذهب بذهابها كثير من الأرواح، وتلك الساعة ظلت لها الألباب حائرة، وتمثلت فيها السماء مائرة والجبال سائرة، وأغمد سيف الله الذي كان على أعدائه دائم التجريد، وخفت الأرض من جبلها الذي كان يمنعها أن تميد، وأصبح الإسلام وقد فقد ناصره ثاكلا لوحيد، فهو أعظم فاقد لأعظم فقيد، وليس أحد من الناس إلا وقد صم عن الخبر وأصيب في سواد القلب والبصر اه.
هو أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي الملقب الملك الناصر صلاح الدين صاحب الديار المصرية والشامية والفراتية واليمنية.
قال ابن خلكان في ترجمته: اتفق أهل التاريخ على أن أباه وأهله من دوين [بضم الدال وكسر الواو] وهي بلدة في آخر عمل أذربيجان من جهة أران وبلاد الكرج وأنهم أكراد روادية [بفتح الراء وكسر الدال] وهي قبيلة كبيرة من الأكراد. وقال لي رجل فقيه عارف بما يقول وهو من أهل دوين: إن على باب دوين قرية يقال لها أجد انقان وجميع أهلها أكراد روادية، ومولد أيوب والد صلاح الدين بها.