فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 2877

قال ابن الأثير: كان نور الدين قبل أن يمرض قد أرسل إلى البلاد الشرقية وديار الجزيرة وغيرها يستدعي العساكر لحجة الغزاة والمراد غيرها، فسار سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل في عساكره وعلى مقدمته الخادم سعد الدين كمشتكين الذي كان قد جعله نور الدين بقلعة الموصل مع سيف الدين، فلما كانوا ببعض الطريق وصلت الأخبار بوفاة نور الدين، فأما سعد الدين فإنه كان في المقدمة

فهرب جريدة، وأما سيف الدين فأخذ كل ما كان له من برك وغيره، وعاد إلى نصيبين فملكها وأرسل الشحن إلى الخابور فاستولوا عليه وأقطعه، وسار هو إلى حران فحصرها عدة أيام وبها مملوك لنور الدين يقال له قايماز الحراني فامتنع بها وأطاع بعد ذلك على أن تكون حران له، ونزل إلى خدمة سيف الدين فقبض عليه وأخذ حران منه وسار إلى الرها فحصرها وملكها، وكان بها خادم خصي أسود لنور الدين فسلمها وطلب عوضها قلعة الزعفران من أعمال جزيرة ابن عمر فأعطيها، ثم أخذت منه، ثم صار إلى أن يستعطي ما يقوم به ويقوته. وسير سيف الدين إلى الرقة فملكها وكذلك سروج واستكمل جميع بلاد الجزيرة سوى قلعة جعبر فإنها كانت منيعة، وسوى رأس عين فإنها كانت لقطب الدين صاحب ماردين وهو ابن خال سيف الدين، فلم يتعرض إليها، وكان شمس الدين علي بن الداية وهو أكبر الأمراء النورية بحلب مع عساكرها فلم يقدر على العبور إلى سيف الدين ليمنعه من أخذ البلاد لفالج كان به، فأرسل إلى دمشق يطلب الملك الصالح فلم يرسل إليه خوفا من أن يغلب على الأمراء كما سيأتي. ولما ملك سيف الدين الجزيرة قال له فخر الدين عبد المسيح وكان قد وصل إليه من سيواس بعد موت نور الدين وهو الذي أقر له الملك بعد أبيه، فظن أن سيف الدين يرعى له ذلك فلم يجن ثمرة ما غرس، وكان عنده كبعض الأمراء، قال له: الرأي أن تعبر إلى الشام فليس به مانع، فقال له أكبر أمرائه وهو أمير يقال له عز الدين محمود المعروف بزلفندار: قد ملكت أكثر ما كان لأبيك والمصلحة أن تعود، فرجع إلى قوله وعاد إلى الموصل ليقضي الله أمرا كان معفولا اه.

قال في الروضتين: قال ابن الأثير: لما توفي نور الدين قال الأمراء منهم شمس الدين ابن المقدم وحسام الدين الحسين بن عيسى الجراحي وغيرهما من أكابر الأمراء: قد علمتم أن صلاح الدين من مماليك نور الدين ونوابه، والمصلحة أن نشاوره فيما نفعله ولا نخرجه من بيننا فيخرج عن طاعة الملك الصالح ويجعل ذلك حجة علينا وهو أقوى منا، لأن له مثل مصر، وربما أخرجنا وتولى هو خدمة الملك الصالح، فلم يوافق أغراضهم هذا القول

وخافوا أن يدخل صلاح الدين ويخرجوا، قال: فلم يمض غير قليل حتى وصلت كتب صلاح الدين إلى الملك الصالح يهنئه بالملك ويعزيه بأبيه، وأرسل دنانير مصرية وعليها اسمه ويعرفه أن الخطبة والطاعة له كما كانت لوالده، فلما سار سيف الدين غازي ابن عمه قطب الدين وملك الديار الجزرية ولم يرسل من مع الملك الصالح من الأمراء إلى صلاح الدين ولا أعلموه الحال كتب إلى الملك الصالح يعتبه حيث لم يعلمه قصد سيف الدين بلاده ليحضر في خدمته ويمنعه، وكتب إلى الأمراء يقول: إن الملك العادل لو علم أن فيكم من يقوم مقامي أو يثق إليه مثلي ثقته بي ليسلم إليه مصر التي هي أعظم ممالكه وولاياته، ولو لم يعجل عليه الموت لم يعهد إلى أحد بتربية ولده والقيام بخدمة مولاي وابن مولاي دوني فسوف أصل إلى خدمته وأجازي إنعام والده بخدمة يظهر أثرها وأقابل كلا منكم على سوء صنيعه وإهمال أمر الملك الصالح ومصالحه حتى أخذت بلاده، فأقام الصالح بدمشق ومعه جماعة من الأمراء لم يمكنوه من المسير إلى حلب لئلا يغلبهم عليه شمس الدين علي بن الداية، فإنه كان أكبر الأمراء النورية، وإنما تأخر عن خدمة الملك الصالح بعد وفاة نور الدين لمرض لحقه، وكان هو وإخوته بحلب وأمرها إليهم وعسكرها معهم في حياة نور الدين وبعده، ولما عجز عن الحركة أرسل إلى الملك الصالح يدعوه إلى حلب ليمنع البلاد من سيف الدين ابن عمه، وأرسل إلى الأمراء يقول لهم: إن سيف الدين قد ملك إلى الفرات ولئن لم ترسلوا الملك الصالح إلى حلب حتى يجمع العساكر ويسترد ما أخذ منه وإلا عبر سيف الدين الفرات إلى حلب ولا نقوى على منعه، فلم يرسلوه ولا مكنوه من قصد حلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت