فهرس الكتاب

الصفحة 1553 من 2877

بكيت ولكن لم أجد ذاك نافعا ... ولا فيه إلا أن يضيع ثواب

فأبت بحسن الصبر وهو أجلّ ما ... إليه إذا جلّ المصاب يؤاب

لعمرك ما الدنيا بدار إقامة ... فللناس عنها رحلة وذهاب

إذا ما رأيت الدار ملأى فإنه ... سينعق فيها بالفراق غراب

ومن صحب الأيام كرّت خطوبها ... عليه وكرّات الخطوب غراب

وكيف خلاص المرء منها وخلفه ... خيول الردى يجرين وهي عراب

لئن جمعتنا والجماعة رحمة ... فقد فرقتنا والفراق عذاب

تشاب بسمّ الموت والمرء غافل ... موارد منها للحياة عذاب

وما العسل الصافي بشيء وإن حلا ... إذا كان بالسمّ القتول يشاب

يهول كمثل البحر إن هب عاصف ... فيهرم من أهوالها ويشاب

تغرّ الورى حتى إذا أطمعتهم ... فطالوا إلى نيل المراد وطابوا

رمتهم بأنواع الخطوب فلم تكن ... لتسمع شكوى أو يخاف جواب

يعدّون من عزّ النفوس اكتسابها ... وما هو إلا ذلة وتباب

وما مثل الدنيا وطلاب مثلها ... سوى جيف من حولهن كلاب

فتبّا لها مذ جرّدت سيف غدرها ... لقتل الورى ما جفّ منه ذباب

فكم قتلت من ذي جلال ولم تقل ... كأن نفوس العالمين ذباب

لقد راع قلبي من تقلّب دهره ... أمور قضت أن الحياة سراب

حوادث لم تتركن لي غير أدمع ... يشاب طعام لي بها وشراب

أرى الناس تمضي واحدا بعد واحد ... ولم أرهم بعد الترحل آبوا

هم كحباب الماء يعلو فينطفي ... ولا طمع في أن يدوم حباب

يذيب الثرى من ليس يحصون كثرة ... كهول وشيب قد مضوا وشباب

تفقدت أترابي فألفيت كلهم ... تضمنهم بطن التراب فغابوا

فماذا انتظاري إن فيهم لأسوة ... فلم يبق إلا أن تحثّ ركاب

ولكن أرجّي أن أعيش لعلني ... ييسر لي قبل الممات متاب

وكان يهون الموت لو ترك الفتى ... ولم يك في يوم الحساب عقاب

ولكننا نجزى ونسأل في غد ... ونقطع من دون الخلاص عقاب

فلا يتمنّ الموت شخص لشدة ... ينال بها من دهره ويصاب

إذا مات فات الأمر وانقطع الرجا ... ولم يبق إلا موقف وحساب

وما دام حيا قد يوفق للتقى ... فيفعل فعلا صالحا ويثاب

عجبت لهذا الدهر تفنى خياره ... وهم فيه زين إن ذا لعجاب

لقد أخذ الموت اللباب فلم يدع ... سوى القشر لا يلفى لديه لباب

فأي شهاب غاب عنا فلم يكن ... ليخلفه في الخافقين شهاب

فو الله ما يأتي الزمان بمثله ... وإن زعموا إتيانه فكذاب

فكم عطف الحسنى على مثلها وكم ... حوى منه تأكيد البيان جواب

ومن نعته هذا فلا بدل له ... ولو طلبوا الأبدال منه لخابوا

هو العلم الفرد المنادى لكشف ما ... له عن عقول الباحثين غياب

فإن ضمّ منا للقلوب محبة ... فقد أنصفوا في ضمه وأصابوا

سلوني على المرء الخبير سقطتم ... فأحواله في الصالحين عجاب

أبا جعفر ما زلت والله سالكا ... سبيل رجال أخلصوا وأنابوا

عطفت على كتب الحديث وضبطه ... فولّى مشيب فيهما وشباب

وكنت إذا أدّيته قارئا له ... تكاد القلوب القاسيات تذاب

فتطرب أهل الحي حتى كأنما ... غذا القوم من ثغر الكؤوس رضاب

فما للبخاري بعد موتك قارىء ... ولو علموا عظم المقام لهابوا

وكم مدع في العلم إدراكه الغنى ... وما ثم من علم لديه يصاب

مرارا أمام المصطفى قد قرأته ... بأفصح نطق لم يفته صواب

تخاطبه في قبره وهو سامع ... وأنت بإجزال الثواب تجاب

وفي حجر إسماعيل أيضا قرأته ... وقد شرعت للدارعين حراب

فتسمع أصوات الرجال إذا التقوا ... كما تزأر الآساد وهي غضاب

وأنت مديم للقراءة لا الحشا ... يراع ولا منك الفؤاد يراب

ومن كان في البيت المحرم قارئا ... حديث رسول الله كيف يهاب

وفي ذاك ما زلنا جميعا كأننا ... حسامان ضمّ الصفحتين قراب

نلازم تحقيق العلوم وجمعها ... وليس نرى إلا بحيث نثاب

فنسهر حتى يقضي الليل عمره ... ويكشف عن وجه الصباح نقاب

وكنا كندماني جذيمة لم يكن ... يعضّ علينا للتفرق ناب

فلم ندر إلا والتفرق واقع ... وقد سد من دون التواصل باب

كأن لم يكن منا اجتماع ولم نبت ... ومن بيننا للكشف منه كتاب

وأي اجتماع بعد ما حكم الردى ... وحان من النوب [1] المهيل حجاب

ولكن نرجّى أن يكون لنا غدا ... بجنة عدن مجمع ومآب

أبا جعفر قد كنت أكرم صاحب ... إذا عدّ من أهل الوفاء صحاب

لقد كنت سمح النفس خلوا عن الأذى ... حميد السرى لا شيء فيك يعاب

ولو أن ما بي من فراقك بالحصى ... لذاب فكيف القلب ليس يذاب

بموتك مات العلم والحلم والتقى ... فأصبح ربع الفضل وهو خراب

وأصبحت الطلاب بعدك لا يرى ... لهم طمع في أن ينال طلاب

فمن للمعاني الغرّ بعدك عند ما ... ترى وهي للذهن السليم صعاب

ومن لفنون العلم يجمع شملها ... إذا اختلفت سبل لها وشعاب

ومن لكلام الحق في وجه مبطل ... ولو أنه قد عزّ منه جناب

لمثلك تبكي العين من متوكل ... عليه من الحمد الجميل ثياب

أبا جعفر ما مات من عاش ذكره ... وذكرك باق لم ينله ذهاب

فو الله ما أنساك حتى يضمني ... كمثلك في بطن الضريح تراب

سبقت وإنا لاحقون فكلّنا ... سنمضي مضاء ليس فيه إياب

ولا بد أن يستوفي المرء عمره ... ويفرغ زاد خصّه وشراب

وتقديم أقوام وتأخير غيرهم ... يفاوت أعمارا لهن كتاب

لقد أوحشت من بعدك الأرض كلها ... كان البلاد العامرات يباب

فآنسك المولى كما كنت مؤنسي ... وذو البر مجزيّ به ومثاب

سقى الله ذاك القبر صيّب رحمة ... يخالطها من ذي الجلال ثواب

محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي الضرير أبو عبد الهوّاري المريّي المالكي، عرف بابن جابر، نزيل حلب.

(1) لعل الصواب: الترب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت