ومن حين عودته من الأزهر إلى سنة 1293وهي السنة التي توفى فيها كان يقرأ الدروس يوميا بلا كلل ولا ملل، من الصباح إلى قبيل الظهر يقرأ الدروس الخاصة في علوم شتى، ومن الظهر إلى العصر صيفا وشتاء ربيعا وخريفا حتى في رمضان يقرأ درسا عاما في الجامع الكبير يبقى فيه مقدار أربع ساعات قاعدا على ركبتيه لا يغير قعدته. وربما قرأ في درسه الحديث أو الحديثين ويتكلم عليهما بالعجب العجاب بصورة تأخذ بمجامع القلب، وقل أن يمل أحد من المستمعين الذي يقدرون في معظم الأوقات بأزيد من ألف شخص، ويذكر أثناء ذلك أحوال الحكام ومظالمهم وتقصير العلماء وأحوال التجار وغشهم وكسل الفقراء، وربما صرح بأسماء بعض الأشخاص غير هياب ولا وجل، ولذا كان الجميع يهابونه ويخشون أن يذكرهم الشيخ في دروسه. وكان جهوري الصوت فصيح اللسان حسن التقرير،
يفهمه القريب منه والبعيد عنه، وعند تقريره الأحكام الشرعية يعيدها ثلاث مرات لترسخ في أذهان السامعين. وله في أثناء درسه تطورات وشطحات في الكلام تخرج تلك الكلمات منه من فؤاد مليء علما ومعرفة بالله تعالى، وقد سمع منه غير مرة أنه ما سأل الله شيئا إلا أجابه ولا دعا على أحد إلا وانتقم منه بموت سريع أو غيره.
ويبقى في درسه هذا إلى أن ينادي المؤذن بصلاة العصر، فيصليها ثم يذهب إلى بيته فلا يخرج منه إلى الصباح.
كان رحمه الله ملازما للعزلة إلا في أوقات الدروس، لا يزور أحدا من الأمراء ورجال الدولة العثمانية وصدورها العظام، بل كانوا هم الذين يتقصدون زيارته للتبرك به، وكانوا يؤمون دروسه الإرشادية ويقعدون فيها كآحاد الناس، وقل أن يقبل زيارتهم.
وحدثنا عن رشيد باشا الشرواني الصدر الأعظم لما أتى إلى حلب واجتمع بالشيخ بعد جهد أنه قال: لقد حضرت مجالس الملوك كثيرا فلم أر في جميعها ما رأيته في مجلس الشيخ من الخوف والمهابة والجلالة. وحدثنا بمثله عن نامق باشا لما مر بحلب قاصدا بغداد أو عائدا منها إلى الآستانة.
وكان شاه العجم مر بحلب وحضر درسه، ثم طلب مقابلته، فبعد جهد حتى أذن له بذلك فقال له وكان واقفا أمامه وقفة الخاضع الخاشع: أسمع أن العجم قوم شيعة مع أن عندهم علماء، فهل تشيعهم مجرد تعصب أو هو مبني على دليل، فكيف اعتقادكم؟
فخاف الشاه من الجواب وأن يدخل في البحث مع الشيخ، فقال له: يا سيدي نحن عائلة الملك من أهل السنة والجماعة، وأنكر تشيعه بتاتا. وكان الشاه يطلب الاجتماع بعالم مجتهد، فأجيب: ليس عندنا عالم مجتهد بل إنما لدينا عالم مشهور وهو فلان.
ولما كان جودت باشا واليا على حلب أخذ عنه الحديث بعد وسائل متعددة، ودعاه إلى ضيافة عملها في رمضان، ولم يجب إلا بعد جهد، ولما حضر وضعت الشوربا أولا على العادة المتبعة، فتناول منها لقيمات، ثم قاموا إلى صلاة المغرب، وبعد أن فرغوا منها كلفوا إلى المائدة ثانيا فقال: أما تعشينا، فأعلم أن هذه مقدمة لأجل الإفطار، فقال:
لا قد اكتفينا، ولم يأكل سوى ذلك. ولم نسمع أنه أجاب دعوة أحد من الكبراء غير هذه، ولعله أجاب دعوة جودت باشا لأنه من العلماء كما ذكرنا ذلك في الكلام على ولايته.