فأما المطبوع فكان في الزمن الأول إلى أواخر الدولة الناصرية حسن بن محمد بن قلاوون فلوس لطاف يعتبر كل ثمانية وأربعين فلسا منها بدرهم من النقرة على اختلاف السكة فيها، ثم أحدث في سنة تسع وخمسين وسبعمائة في سلطنة حسن أيضا فلوس شهرت بالجدد جمع جديد زنة كل فلس منها مثقال، وكل فلس منها قيراط من الدرهم مطبوعة بالسكة السلطانية، فجاءت في نهاية الحسن وبطل ما عداها من الفلوس، وهي أكثر ما يتعامل به أهل زماننا إلا أنها فسد قانونها في تنقيصها في الوزن عن المثقال حتى صار فيها ما هو دون الدرهم وصار تكوينها غير مستدير، وكانت توزن بالقبّان كل مائة وثمانية عشر رطلا بالمصري بمبلغ خمسمائة درهم، ثم أخذت في التناقص لصغر الفلوس ونقص أوزانها حتى صار كل مائة وأحد عشر رطلا بمبلغ خمسمائة. قلت (القائل القلقشندي) : ثم استقر الحال فيها على ذلك، على أنه لو جعل كل أوقية فما دونها بدرهم لكان حسنا باعتبار غلو النحاس وقلة الواصل منه إلى الديار المصرية وحمل التجار الفلوس
المضروبة من الديار المصرية إلى الحجاز واليمن وغيرهما من الأقاليم متجرا. ويوشك إن دام هذا أن تنفد الفلوس من الديار المصرية ولا يوجد ما يتعامل به الناس.
وأما غير المطبوعة فنحاس مكسر من الأحمر والأصفر ويعبر عنها بالعتق، وكانت في الزمن الأول كل زنة رطل منها بالمصري بدرهمين من النقرة، فلما عملت الفلوس الجدد المتقدمة الذكر استقر كل رطل منها بدرهم ونصف وهي على ذلك إلى الآن. قلت: ثم نفدت هذه الفلوس من الديار المصرية لغلو النحاس وصار مهما وجد من النحاس المكسور خلط بالفلوس الجدد وراج معها على مثل وزنها اه.
قال العلامة المقريزي في رسالته (النقود الإسلامية) : لما زالت الدولة الفاطمية بدخول الفرس الشام ومصر على يد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في سنة تسع وستين وخمسمائة قررت السكة بالقاهرة باسم المرتضي بأمر الله (الخليفة العباسي) وباسم الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي صاحب بلاد الشام، فرسم اسم كل منهما في وجه. ثم لما استبد الملك صلاح الدين بعد موت الملك العادل نور الدين أمر في شوال سنة 583بأن تبطل نقود مصر وضرب الدينار ذهبا مصريا وأبطل الدرهم الأسود وضرب الدراهم الناصرية وجعلها من فضة خالصة ومن نحاس نصفين بالسوي، فاستمر ذلك بمصر والشام إلى أن ملك الملك الكامل ناصر الدين محمد بن العادل أبي بكر محمد بن أيوب فأبطل الدرهم الناصري وأمر في ذي القعدة من سنة 622بضرب دراهم مستديرة.
وتقدم أنه لا يتعامل الناس بالدراهم المصرية العتق وهي التي تعرف في مصر والإسكندرية بالزيوف وجعل الدرهم الكامل ثلاثة أثلاث ثلثاه من فضة وثلثه من نحاس، فاستمر ذلك بمصر والشام مدة أيام ملوك بني أيوب، فلما انقرضوا وقامت الأتراك من بعدهم أبقوا سائر شعائرهم واقتدوا بهم في جميع أحوالهم وأقرّوا نقدهم على حاله من أجل أنهم كانوا يفتخرون بالانتماء إليهم، حتى إني شاهدت المراسيم التي كانت تصدر عن الملك المنصور قلاوون وفيها بعد البسملة الملكي الصالحي، وتحت ذلك بخطه قلاوون، فلما ولى الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري الصالحي النجمي وكان من أعظم ملوك الإسلام وممن يتعين
على كل ملك معرفة سيرته ضرب دراهم ظاهرية وجعلها كل مائة درهم من سبعين درهما فضة خالصة وثلاثين نحاسا، وجعل رنكه على الدرهم وهو صورة سبع، فلم تزل الدراهم الظاهرية والكاملية بديار مصر والشام إلى أن فسدت في سنة 781بدخول الدراهم الحموية، فكثر تعنّت الناس منها، وكان ذلك في إمارة الظاهر برقوق، فلما وصل الأمر إليه وأقام الأمير محمود بن علي أستادارا أكثر من ضرب الفلوس وأبطل ضرب الدرهم فتناقصت حتى صارت عرضا ينادى عليه في الأسواق بحراج حراج، وغليت الفلوس إلى أن قدم الملك المؤيد شيخ عزّ نصره من دمشق في رمضان سنة 817بعد قتل الأمير نوروز الحافظي نائب دمشق فوصل مع العسكر وأتباعهم شيء كثير من الدراهم البندقية والدراهم النوروزية، فتعامل الناس بها وحسّن موقعها لبعد العهد بالدراهم، فلما ضرب الملك المؤيد شيخ عزّ نصره الدراهم المؤيدية في شوال منها نودي في القاهرة بالمعاملة بها في يوم السبت 24صفر سنة 818فتعامل الناس بها اه.