فهرس الكتاب

الصفحة 1276 من 2877

حكى لي الصاحب كمال الدين بن العديم أن القاضي بهاء الدين بن شداد قاضي حلب الذي بلغ عند صلاح الدين وابنه الظاهر ما لم يبلغه أحد من نظرائه مرض بحلب، قال: فمشيت في جماعة من الشبان المبتدئين في القراءة والظهور إلى عيادته، فعند ما دخلنا عليه قام لنا فجعلنا نحلف أن لا يفعل، فقال: يا سبحان الله، تتفكرون في مرضي وتتعنون من أماكنكم إلى منزلي، ثم أبخل عليكم بقومة، هذا والله غير طريق المروءة. ثم قال: يا أولادي، لقد دخلت على كبير وأنا في سنكم فلم يحتفل بي، فإلى الآن ما أذكر ذلكم إلا أسأت ذكره وندمت على وصولي إليه، ولا يتجنب المعائب إلا أهل التجارب. قال: وكنت أتردد إلى مجلس كمال الدين بن يغمور وهو نائب السلطنة بالشام وكان يقوم لي كلما دخلت عليه، فدخلت يوما فإذا به مضطجع فلم يقم، وأخذ فيما كان يأخذ فيه، فلما دخلت في اليوم الثاني قام ثم جلس، ثم قام ثم جلس، وقال: هذه الأخيرة عن قومة أمس، كانت

عليّ دينا لعذر تتفضل بقبوله دون مطالبة بذكره، فعجبت من فضله وقلت: ما سار لهذا الرجل ما سار في الأقطار من باطل اهـ.

تتمة الكلام على المدرسة الصاحبية:

قال في كنوز الذهب: المدرسة الصاحبية الشافعية: أنشأها الشيخ الإمام العالم العامل العلامة أبو المحاسن وأبو العز يوسف بن رافع قاضي حلب المعروف بابن شداد تجاه المدرسة النفرية بالقرب من جامع تغري بردي (جامع الموازيني المشهور في محلة السفاحية) وقد درس بها واقفها، واستناب القاضي زين الدين أبا محمد عبد الله بن الحافظ عبد الرحمن ابن علوان الأسدي، ولما توفي القاضي ولي القاضي زين الدين ودرس استقلالا، ولم يزل بها إلى أن توفي سنة خمس وثلاثين، فوليها ولده القاضي كمال الدين أبو بكر أحمد، ولم يزل بها مدرسا إلى أن كانت حادثة التتر، فخرج عنها إلى ديار مصر، ثم عاد إلى حلب في أواخر سنة إحدى وستين وستماية وولي تدريس هذه المدرسة وتدريس الظاهرية والقضاء، ولم يزل بها إلى أن توفي ليلة الأحد رابع وقيل خامس عشر شوال سنة اثنتين وستين وستماية، وولي تدريسها وحدها جده القاضي محيي الدين أبو المكارم محمد بن قاضي القضاة جمال الدين محمد بن عمر، فلم يزل بها إلى أن توفي سنة تسع وستين، ووليها أخوه افتخار الدين عثمان، فلم يزل مدرسا بالصاحبية فقط إلى أن توفي بالديار المصرية، ووليها ولده شرف الدين عبد المجيد مع الأوقاف بحلب وهو مستمر بها إلى تاريخ سنة سبع وسبعين وستماية.

وهذه المدرسة كانت قبل فتنة تيمر عامرة بالعلماء، ودرس بها الشيخ شرف الدين الأنصاري وغيره، وبعد تيمر سكن شيخنا الشيخ علاء الدين بن الوردي، وكان يقرىء بها «الحاوي» و «البهجة» والناس يترددون إليه.

وكان شيخنا المؤرخ يدرس بها الأحد والأربعاء دائما، وكنت أحضر معه، ومن جملة من درس قبل الفتنة التيمرية ابن بنت الباريني. قال لي الشيخ علاء الدين بن مكتوم:

إنه كان يتصفح كراسا من «الروضة» وكراسا من «المهمات» مرة واحدة ويوردهما، وإنه لما تكرر ذلك منه أصيب بالعين فأخذته الحمى ومات.

ودرس بهذه المدرسة جماعة من القضاة كالسيد وشيخنا زين الدين بن الخرزي

والباعوني. ثم تعطلت هذه المدرسة وصارت مسكنا للنساء، حتى قدم الشيخ الصالح الزاهد علاء الدين الجبرتي فحضر إلى هذه المدرسة ورأى ما حل بها من التعطيل، فشرع في إخراج النساء منها وفي عمارتها وتبييضها وترخيم ما تقلع من رخامها وتعزيل خلاويها وعمارة مرتفقها وفتح بركتها، ولما فتح إيوانها الشمالي وعزله ظهر فيه قبر فأبقاه في مكانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت