فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 2877

قال ابن إياس في حوادث هذه السنة: فيها جاءت الأخبار من حلب بأن قازان ملك التتار قد زحف على البلاد ووصل أوائل عسكره إلى الفرات وهو في عسكر ثقيل لا يحصى، وغازان هذا هو ابن أرغون بن أبغا بن هولاكو الذي أخرب بغداد وقتل الخليفة وجرى منه ما جرى.

وكان سبب مجيء قازان وزحفه على البلاد هو أن قبجق نائب الشام لما بلغه أن الملك المنصور لاجين أرسل بالقبض عليه أخذ أولاده وعياله وبركه وماله وخرج من الشام وتوجه هاربا إلى القان قازان، وحسن له أن الملك الناصر صغير وأن الأمراء والعسكر بينهم الخلف وأنه إذا زحف القان غازان على البلاد لا يجد من يرده عنها، فعند ذلك جمع القان غازان عساكر عظيمة نحو مائتي ألف مقاتل، ولما وصل الخبر إلى الديار المصرية اضطربت الأرض واجتمعت الأمراء بالقلعة وضربوا مشورة فوقع الاتفاق على أن الأتابكي بيبرس الجاشنكير يتوجه إلى حلب ومعه خمسمائة مملوك قبل خروج السلطان، وخرج الأتابكي بيبرس على جرائد الخيل مع العسكر، ثم خرج الملك الناصر محمد بعده في خامس عشر صفر، وكان صحبته الخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله والقضاة الأربعة، وكان قاضي القضاة الشافعي حينئذ شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد، وخرج مع السلطان وسائر الأمراء والعساكر فجدّ السلطان في المسير حتى وصل إلى دمشق في ثامن ربيع الأول سنة تسع وتسعين وسبعمائة، ثم خرج من دمشق فتلاقى مع جاليش غازان في مكان يعرف بسلمية قرب بعلبك، فوقع بينهما واقعة عظيمة لم يسمع بمثلها وقتل من الفريقين ما لا يحصى عددهم، فانكسر عسكر السلطان وهرب الملك الناصر إلى بعلبك ونهب بركه وسائر برك العسكر ولم يبق معه من العسكر إلا طائفة يسيرة.

ثم إن القان غازان زحف على ضياع الشام ونهب ما فيها وسبى أهلها، فلما بلغ أهل الشام ذلك خافوا على أنفسهم من غازان فيما فعله في أهل الضياع فتشاوروا مع جماعة

من العلماء الذين كانوا بدمشق وخرجوا إلى غازان يطلبون منه الأمان، فخرج قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة الشافعي والشيخ زين الدين الفارقي والشيخ تقي الدين بن تيمية الحراني والقاضي نجم الدين ابن الصرصري والقاضي عز الدين بن تركي والشيخ عز الدين ابن القلانسي والقاضي جلال الدين القزويني وغير هؤلاء جماعة العلماء الصلحاء، فلما دخلوا على غازان ووقفوا بين يديه وقف الترجمان وتكلم مع القان غازان في أمرهم وأنهم جاؤوا يطلبون الأمان منه، فقال له غازان: قل لهم إني قد أرسلت لهم الأمان قبل حضورهم عندي، فرجعوا إلى دمشق واجتمع في جامع بني أمية الجم الغفير وقرؤا على الناس الأمان الذي أرسله القان غازان إلى أهل دمشق، فلما قرىء عليهم ذلك الأمان وسمعوه فرح الناس بذلك وحصل عندهم سكون بعدما كانوا في اضطراب من أمر غازان. ثم حضر الأمير قبجق الذي كان نائب الشام وهرب إلى غازان ونزل بالميدان الأخضر وأرسل يقول إلى نائب قلعة الشام: سلم إلينا القلعة ولا تحوجنا أن نحاصرك وتغلب بعد ذلك، فأرسل نائب القلعة يقول لقبجق: ليس لك عندي إلا السيف، وكيف أسلم القلعة والملك الناصر على قيد الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت