فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 2877

إلا ما كان خرب أولا، وأما حصنها المشهور فإنه انهدم على واليها تاج الدولة أبي العساكر ابن منقذ ومن تبعه إلا اليسير ممن كان خارجا، وأما حلب فهدمت بعض دورها وخرج منها أهلها إلى ظاهر البلد وكفر طاب وأفامية وما والاها ودنا منها وبعد عنها من الحصون والمعاقل.

ثم حصلت بحلب أيضا فجاءتها زلزلة هائلة قلقلت من دورها وجدرانها العدد الكثير، إلى أن قال: قال ابن الأثير: في سنة اثنتين وخمسين كان بالشام زلزلة شديدة ذات رجفات عظيمة أخربت البلاد وأهلكت العباد، وكان أشدها بمدينة حماة وحصن شيزر فإنهما خربا بالمرة، وكذا ما جاورهما كحصن بارين والمعرة وغيرهما من البلاد والقرايا، وهلك تحت الهدم من الخلق ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وتهدمت الأسوار والدور والقلاع، ولولا أن الله تعالى منّ على المسلمين بنور الدين جمع وحفظ البلاد وإلا كان دخلها الفرنج بغير حصار ولا قتال. قال: ولقد بلغني من كثرة الهلكى أن بعض المعلمين بحماة ذكر أنه فارق المكتب لمهم فجاءت الزلزلة فأخربت الدور وسقط المكتب على الصبيان جميعهم، قال المعلم: فلم يأت أحد يسأل عن صبي كان له في المكتب.

قال أبو الفداء: إن صاحب شيزر كان قد ختن ولده وعمل دعوة للناس وأحضر جميع بني منقذ في داره، فجاءت الزلزلة فسقطت الدار والقلعة عليهم فهلكوا عن آخرهم. وكان لصاحب شيزر بن منقذ المذكور حصان يحبه ولا يزال على باب داره، فلما جاءت الزلزلة وهلك بنو منقذ تحت الهدم سلم منهم واحد وهرب يطلب باب الدار، فلما خرج من الباب رفسه الحصان المذكور فقتله.

فلما خربت القلعة في هذه السنة بالزلزلة تسلم نور الدين القلعة والمدينة، وكان ملكه لها ثالث جمادى الأولى من سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة واستولى على كل من فيها لبني منقذ وسلمها إلى مجد الدين أبي بكر بن الداية.

قال في الروضتين: قرأت في ديوان الأمير الفاضل مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن منقذ قصيدة يرثي أهله الذين هلكوا بالزلازل بحصن شيزر، منها:

ما استدرج الموت قومي في هلاكهم ... ولا تخرمهم مثنى ووحدانا

فكنت أصبر عنهم صبر محتسب ... وأحمد الخطب فيهم عز أو هانا

وأقتدي بالورى قبلي فكم فقدوا ... أخا وكم فارقوا أهلا وجيرانا

لكن سقيت المنايا وسط جمعهم ... رغا فخروا على الأذقان إذعانا

وفاجأتهم من الأيام قارعة ... سقتهم بكؤوس الموت ذيفانا

ماتوا جميعا كرجع الطرف وانقرضوا ... هل ما ترى تارك للحي إنسانا

أعزز علي بهم من معشر صبروا ... على الحفيظة إن ذو لوثة لانا

لم يترك الدهر لي من بعد فقدهم ... قلبا أجشمه صبرا وسلوانا

فلو رأوني لقالوا مات أسعدنا ... وعاش للهم والأحزان أشقانا

لم يترك الموت منهم من يخبرني ... عنهم فيوضح ما قالوه تبيانا

بادوا جميعا وما شادوا فوا عجبا ... للخطب أهلك عمارا وعمرانا

هذي قصورهم أمست قبورهم ... كذاك كانوا بها من قبل سكانا

ويح الزلازل أفنت معشري فإذا ... ذكرتهم خلتني في القوم سكرانا

لا ألتقي الدهر من بعد الزلازل ما ... حييت إلا كسير القلب حيرانا

أخنت على معشري الأدنين فاصطلمت ... منهم كهولا وشبانا وولدانا

لم يحمهم حصنهم منها ولا رهبت ... بأسا تبادره الأقران أزمانا

إن أقفرت شيزر منهم فهم جعلوا ... منيع أسوارها بيضا وخرصانا

هم حموها فلو شاهدتهم وهم ... بها لشاهدت آسادا وخفانا

تراهم في الوغى أسدا ويوم ندى ... غيثا مغيثا وفي الظلماء رهبانا

بنو أبي وبنو عمي دمي دمهم ... وإن أروني مناواة وشنآنا

يطيب النفس عنهم أنهم رحلوا ... وخلفوني على الآثار عجلانا

قال ابن الوردي في تاريخه في الكلام على حوادث هذه السنة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت