قال ابن كثير: لما كان يوم الخميس ثامن جمادى الأولى نزل التتار على البيرة في ثلاثين ألف مقاتل من المغول [وكان اسم مقدمهم أقطاي كما في أبي الفداء] وخمسة عشر ألفا من الروم والمقدم على الجميع البرواناه بأمر أبغا ملك التتر ومعهم جيش الموصل وجيش ماردين والأكراد ونصبوا عليها ثلاثة وعشرين منجنيقا، فخرج أهل البيرة بالليل فكبسوا عسكر التتار وأحرقوا المنجنيقات ونهبوا شيئا كثيرا ورجعوا إلى بيوتهم سالمين، فأقام عليها الجيش مدة إلى تاسع عشر الشهر المذكور، ثم رجعوا عنها بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا.
ولما بلغ السلطان نزول التتار على البيرة أنفق في الجيش ستمائة ألف دينار، ثم ركب سريعا وفي صحبته ولده السعيد، فلما كان في أثناء الطريق بلغه رحيل التتار عنها فعاد إلى دمشق اه.
قال أبو الفداء وابن كثير وابن إياس: في هذه السنة جاءت الأخبار بأن التتار زحفوا على البلاد، فجاء الملك الظاهر بيبرس بعساكره المتوافرة إلى الشام، وكان خروجه من مصر في العشرين من رمضان ودخل دمشق في سابع عشر شوال فأقام بها ثلاثة أيام، ثم سار حتى دخل حلب فأقام بها يوما ورسم لنائب حلب أن يقيم بعسكر حلب على الفرات لحفظ المعابر، وسار السلطان فقطع الدربند في نصف يوم، ووقع سنقر الأشقر في أثناء الطريق بثلاثة آلاف من المغول فهزمهم يوم الخميس تاسع ذي القعدة، وصعد العسكر الجبال فأشرفوا على وطاة البلستين عاشر ذي القعدة فرأوا التتار قد رتبوا عساكرهم وكانوا أحد عشر ألف مقاتل وعزلوا عنهم عسكر الروم خوفا من مخامرتهم، فلما تراءى الجمعان حملت ميسرة التتار فصدمت صناجق السلطان ودخلت طائفة بينهم
فشقوها وساقت إلى الميمنة، فلما رأى السلطان ذلك أردف المسلمين بنفسه ومن معه، ثم لاحت منه التفاتة فرأى الميسرة قد كادت تتحطم فأمر جماعة من الأمراء بإردافها، ثم حمل بالعسكر جميعه حملة واحدة على التتار فترجلوا إلى الأرض عن آخرهم وقاتلوا المسلمين قتالا شديدا وصبر المسلمون صبرا عظيما، فأنزل الله نصره على المسلمين فأحاطت بالتتار العساكر من كل جانب وقتلوا منهم خلقا كثيرا وقتل مقدمهم تناون وغالب كبرائهم وأسر منهم جماعة كثيرة صاروا أمراء، وكان من جملة المأسورين في هذه الوقعة سيف الدين قبجق وسيف الدين أرسلان. وقتل من المسلمين أيضا جماعة فكان في جملة من قتل من سادات المسلمين الأمير الكبير ضياء الدين ابن الخطير وسيف الدين قيماز وسيف الدين بنجو الجاشنكير وعز الدين أيبك الثقفي. وهرب البرواناه (من أمراء الروم الذين كانوا مع التتار) فنجا بنفسه ودخل قيسارية في بكرة الأحد ثاني عشر ذي القعدة، وأعلم أمراء الروم وملكهم بكسرة التتر على البلستين وأشار عليهم بالهزيمة فانهزموا منها وأخلوها.