فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 2877

قال ابن الأثير: في هذه السنة قبض الملك الصالح بن نور الدين على سعد الدين كمشتكين وكان المتولي لأمر دولته الحاكم فيها. وسبب قبضه أنه كان بحلب إنسان من أعيان أهلها يقال له أبو صالح بن العجمي، وكان مقدما عند نور الدين، فلما مات نور الدين تقدم أيضا في دولة ولده الملك الصالح وصار بمنزلة الوزير الكبير المتمكن لكثرة أتباعه بحلب، وصار كل من كان يحسد كمشتكين انضم إلى أبي صالح وقووا جنانه وكثروا سواده، وكان عنده إقدام وجرأة فصار واحد الدولة بحلب ومن يصدر الجماعة عن رأيه وأمره، فبينما هو في بعض الأيام في الجامع وثب به الباطنية فقتلوه ومضى شهيدا، وتمكن بعده سعد الدين وقوي حاله، فلما قتل أحال الجماعة قتله على سعد الدين وقالوا: هو وضع الباطنية عليه حتى قتلوه، وذكروا ذلك للملك الصالح ونسبوه إلى العجز وأنه ليس له حكم وأن سعد الدين قد تحكم عليه واحتقره واستصغره وقتل وزيره، ولم يزالوا به حتى قبض عليه، وكانت حارم لسعد الدين قد أقطعه إياها الملك الصالح، فامتنع من بها بعد قبضه وتحصنوا فيها، فسير سعد الدين إليها تحت الاستظهار ليأمر أصحابه بتسليمها إلى الملك الصالح، فأمرهم بذلك فامتنعوا فعذب كمشتكين وأصحابه يرونه ولا يرحمونه، فمات في العذاب، وأصر أصحابه على الامتناع والعصيان، فلما رأى الفرنج ذلك ساروا إلى حارم من حماة في جمادى الأولى على ما نذكره ظنا منهم أنهم لا ناصر لهم وأن الملك الصالح صبي قليل العسكر وصلاح الدين بمصر، فاغتنموا هذه الفرصة ونازلوها وأطالوا المقام عليها مدة أربعة أشهر ونصبوا عليها المنجنيقات والسلالم، فلم يزالوا كذلك إلى أن بذل لهم الملك الصالح مالا وقال لهم: إن صلاح الدين واصل إلى الشام وربما يسلم القلعة من بها إليه، فأجابوه حينئذ إلى الرحيل عنها، فلما رحلوا عنها سير إليها الملك الصالح

جيشا فحصروها، وقد بلغ الجهد منهم بحصار الفرنج وصاروا كأنهم طلائع، وكان قد قتل من أهلها وجرح كثير، فسلموا القلعة إلى الملك الصالح فاستناب بها مملوكا كان لأبيه اسمه سرخك اه.

قال في الروضتين: قال ابن أبي طي: اتصل بالسلطان صلاح الدين أن قليج أرسلان قد طمع في أخذ رعبان وكيسون، فلما دخل دمشق وصله رسوله يطلبهما منه ويدعي أن نور الدين بن زنكي اغتصبهما منه وأن الملك الصالح قد أنعم عليه، فاغتاظ السلطان وزجر الرسول وتوعد صاحبه، فعاد الرسول وأخبر قليج أرسلان، فغضب وسير عسكرا إلى رعبان فحاصرها، وسمع السلطان فندب تقي الدين عمر في ثمانمائة فارس فسار، فلما قارب رعبان أخذ معه جماعة من أصحابه مقدار مائتي فارس، وتقدم عسكره وسار حتى أشرف على عسكر قليج أرسلان ليلا فرآهم وقد سدوا الفضاء وهم قارون آمنون وادعون، فقال تقي الدين لأصحابه: هؤلاء على ما ترون من الطمأنينة والأمن والغفلة وقد رأيت أن نحمل الساعة فيهم بعد أن نتفرق في جوانب عسكرهم ونصيح فيهم فإنهم لا يثبتون لنا، فأجابوه إلى ذلك فأنفذ واحدا من أصحابه إلى باقي عسكره وأمرهم أن يتفرقوا أطلابا وأن يجعل في كل طلب قطعة من الكوسات والبوقات، فإذا سمعوا الضجة ضربوا بكوساتهم وبوقاتهم وجدوا في السير حتى يلحقوا به، ففعلوا ما أمرهم، ثم إنه حمل في عسكر قليج أرسلان وخرج أصحابه في جوانبه، وكان عدة عسكر قليج أرسلان ثلاثة آلاف فارس، فلما سمعوا الضجة وحس الكوسات والبوقات وشدة وقع حوافر الخيل وجلبة الرجال واصطكاك أجرام الحديد هالهم ذلك وظنوا أن قد فوجئوا بعالم عظيم، فلم يكن لهم إلا أن جالوا في كواثب خيولهم عريا وطلبوا النجاة وأخذتهم السيوف فتركوا خيامهم وأثقالهم بحالها، وأكثر تقي الدين فيهم القتل والأسر وحصل على جميع ما تركوه، فلما أصبح جمع المأسورين ومن عليهم بأموالهم وكراعهم وسرحهم إلى بلادهم اه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت