فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 2877

قال في الروضتين: قال القاضي ابن شداد: لم يقم السلطان في حلب إلا إلى يوم

السبت الثاني والعشرين من ربيع الآخر، وأنشأ عزما على الغزاة، فخرج ذلك اليوم إلى الوضيحي مبرزا نحو دمشق واستنهض العساكر فخرجوا يتبعونه، ثم رحل في الرابع والعشرين منه إلى حماة فوصلها، ثم رحل في بقية يومه ولم يزل يواصل بين المنازل حتى دخل دمشق في ثالث جمادى الأولى، فأقام بها متأهبا إلى السابع والعشرين. ثم ذكر غزوته لعين جالوت وبسط القول في ذلك.

قال في الروضتين: كان الملك العادل نائبا بمصر، فلما فتح السلطان حلب كتب العادل إليه يطلبها منه مع أعمالها ويدع الديار المصرية، فكتب السلطان إليه أن يوافيه إلى الكرك فإنه سائر إلى فتحه، فأشار القاضي الفاضل على السلطان أن يستنيب في الديار المصرية موضع أخيه العادل ابن أخيه تقي الدين، فاستصحبه السلطان معه في رجب إلى الكرك هذه السنة، وحاز في طريقه قبل وصوله إليها غنائم وخيم على الربة، ثم حصر الكرك ورماه بالمجانيق صباحا ومساء، وتناوب عليه الأمراء حتى خرج شهر رجب وما حصل منه الطلب، لكن عظمت النكاية في الكفار بأخذ أموالهم وتخريب الديار، ووصل الخبر أن الفرنج قد استجمعوا وتجمعوا بالموضع المعروف بالواله على قصد المسلمين وخلاص الكرك من أيديهم، ورأى السلطان أن حصره يطول فعول على الرحيل إلى دمشق، ووصل العادل إلى السلطان وهو بعد على الكرك فجهز تقي الدين إلى الديار المصرية واليا عليها وقوى عضده بصحبة القاضي الفاضل له. وتولى العادل حلب وأعمالها ومنبج وجميع قلاعها، فسار إليها في رمضان ورجع منها إلى دمشق الملك الظاهر ونواب السلطان. قلت: وكتب العادل إلى الفاضل يستشيره في التعوض عن مصر بحلب فكتب إليه الفاضل كتابا فيه:

إنما أنت كغيث ماطر ... حيثما صرفه الله انصرف

قال ابن أبي طي: كان السلطان يعظم الملك العادل ويعمل برأيه في جميع أموره ويتيمن بمشورته، ولا يعلم بأنه أشار على السلطان بأمر فخالفه. حدثني قاضي اليمن جمال الدين قال: كان السلطان يجمع الأمراء للمشورة فإن كان العادل حاضرا سمع من رأيه وإن لم يكن حاضرا لم يقطع أمرا في المهمات حتى يكاتبه بجلية الأحوال ثم يسمع رأيه فيها،

قال: وحدثني أبي قال: حدثني جماعة قالوا: كان السلطان ليس له غناء عن العادل ولا عن رأيه، فلما حصل العادل بمصر وبعد عن السلطان هناك صار السلطان يتكلف بمكاتبته بالأخبار ويؤخر الأمور إلى أن يرد عليه جوابه فيفوته بذلك كثير من المنافع الحاصلة للدولة وللجهاد، فلما حصر الكرك في هذه السنة كاتبه بالحضور إليه بعياله وأمواله وجميع أصحابه وولى مصر تقي الدين، ولما حصل العادل عند السلطان وقع في نفسه أن يعوضه عن ولاية مصر، ثم حار في ولاية يوليه إياها، قال: وحدثني غيره قال: لما حصل العادل عند السلطان بأمواله وأثقاله كانت الأموال قد قلت على السلطان وقد حصلت عنده عساكر عظيمة، فأحضر العادل ليلا وقال: أريد أن تقرضني مائة وخمسين ألف دينار إلى الميسور فقال: السمع والطاعة، ثم قام وخرج من عنده وكتب إليه يقول: أموالي جميعها بين يديك وأنا مملوكك وأشتهي أن أحمل هذا المال إلى خدمة السلطان ويكون عوضا عنه مدينة حلب وقلعتها، فأجابه السلطان: إنني والله ما أقدمتك إلا لأوليك حلب، وإذ قد اقترحت ذلك فقد وافق ما عندي، فلما أصبح العادل أنفذ وسأل السلطان أن يكتب له بمدينة حلب كتابا ويجعله ككتاب البيع والشراء، فامتنع السلطان وقال: إنما تكون حلب إقطاعا والمال علي له، فاعتذر العادل إلى السلطان، ولما اجتمعا قال له السلطان: أظننت أن البلاد تباع؟ أو ما علمت أن البلاد لأهلها المرابطين بها ونحن خزنة للمسلمين ورعاة للدين وحراس لأموالهم، أو ما علمت أن السلطان ملك شاه السلجوقي لما وقف طبرية على جامع خراسان لم يحكم به أحد من القضاة ولا من الفقهاء. ثم قرر السلطان ولاية العادل لحلب وأعمالها إلى رعبان إلى الفرات إلى حماة، وكتب له التوقيع وقرر عليه مالا يحمله برسم الزرد خانات وخزانة الجهاد ورجالة من الحلبيين. ورحل السلطان إلى دمشق واستدعى ولده الظاهر من حلب، فلما حضر أمره بالعود إلى حلب وتسليمها إلى عمه العادل، ففعل وعاد إلى دمشق وسار العادل إلى حلب فالتقيا بالرستن وباتا فيه، فكانت ولاية الظاهر بحلب في هذه النوبة نحو ستة أشهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت