ولما حصلت حادثة حلب سنة 1267اتهم المترجم أن له بها دخلا، فأرسل مع المتهمين إلى الآستانة، ثم لما تبين براءته عاد إلى حلب، ثم عين رئيسا لمجلس التحقيق، ثم عين
عضوا في المجلس الكبير للمرة الثانية. ولما حصلت التشكيلات في المحاكم وذلك سنة 1282 رجع إلى رئاسة مجلس التحقيق. وفي سنة 1284صار رئيسا للبلدية، وبقي إلى سنة 1285وفيها توجه إلى القسطنطينية لأشغال تتعلق بالأملاك الأميرية، وعاد منها سنة 1287 وعين على أثر حضوره عضوا في مجلس تمييز الولاية، ثم اعتزل المناصب من سنة 1290 إلى 1295، ثم عين عضوا في مجلس التمييز للمرة الثانية وبقي إلى آخر سنة 1298، ثم عين عضوا في مجلس الإدارة، وبعد ستة أشهر عين أيضا رئيسا للبلدية.
وفي سنة 1303انسحب من وظيفته ولزم البيت لشيخوخته إلى أن توفي يوم الجمعة في الثاني عشر من شعبان سنة 1309، ودفن في تربة الصالحين.
ونال من الرتب رتبة (بلاد خمس) وهي من الرتب العلمية.
ووصفه جميل أفندي الجابري في مجموعته فقال: كان طويل القامة نحيف الجسم جسورا مقداما حليما كريما سخيا، عارك الدهر وعاركه، لا يبالي برخاء ولا شدة، حسن الاعتقاد مواظبا على الصلوات الخمس، يتهجد في بعض الليالي، قوي الحافظة يحفظ وقائع أيامه في أوقاتها وأيامها. وخلف خمسا من الذكور وهم مجيب أفندي وتقي الدين أفندي ونور الدين أفندي وجلال الدين أفندي ونجم الدين أفندي، والأخير توفي شابا سنة 1316 ولم يتزوج.
تقي الدين باشا ابن الشيخ عبد الرحمن أفندي ابن الشيخ حسن أفندي المدرس. كانت ولادته سنة 1230تقريبا. قرأ على أفاضل بلده، وحصل طرفا صالحا من العلوم العربية والفقهية واللسان التركي، وتولى إفتاء حلب سنة 1265. وبعد سنتين حصلت الواقعة المشهورة بقومة البلد، وكثر هنا القيل والقال واتهم بأن له دخلا فيها، فضاق بذلك ذرعا ووجد أن النزوح عنها أولى به، فتوجه إلى بلاد الحجاز وأدى فريضة الحج سنة 1268، وعاد من هناك إلى الآستانة ولم يحضر إلى حلب، وهناك غير زيّه العلمي ولبس الطربوش، وعين متصرفا للقارص ثم إلى أورفة ثم آدنة فكركوك فالموصل فبغداد، وكانت البصرة وقتئذ مرتبطة ببغداد، ثم سيواس ثم الحجاز، وكانت توليته للحجاز سنة 1291.
وقد ذكره السيد الدحلاني في تاريخه «إعلام الأعلام بأمراء البلد الحرام» فقال في حوادث هذه السنة: وتولى بعده (بعد محمد رشدي باشا الشرواني) تقي الدين باشا الحلبي، وكان مفتيا في حلب كأبيه من قبله، ثم وقعت فتنة في حلب اتهم بالتسبب لها، فوقع بينه وبين أهل حلب تنافر، فعزل من الفتوى وتوجه إلى دار السلطنة ودخل في سلك الملكية وأعطي رتبة الوزارة، وترقى وولي ولايات، منها بغداد وليها سنة واحدة بعد نامق باشا، ثم عزل من بغداد وجاء إلى دار السلطنة، ثم أعطي ولاية الحجاز سنة إحدى وتسعين بعد وفاة الشرواني، فقدم في ذي القعدة من السنة المذكورة، وفي شهر ذي القعدة من سنة أربع وتسعين عزل عنها منها. اهـ.