ظلوم أبت في الظلم إلا تماديا ... وفي الصد والهجران إلا تناهيا
شكت هجرنا في ذاك والذنب ذنبها ... فيا عجبا من ظالم جاء شاكيا
وطاوعت الواشين فيّ وطالما ... عصيت عذولا في هواها وواشيا
ومال بها تيه الجمال إلى القلا ... وهيهات أن أمسي لها الدهر قاليا
ولا ناسيا ما أودعت من عهودها ... وإن هي أبدت جفوة وتناسيا
ولما أتاني من قريضك جوهر ... جمعت المعالي فيه لي والمعانيا
وكنت هجرت الشعر حينا لأنه ... تولى برغمي حين ولى شبابيا
وأين من الستين لفظ مفوق ... إذا رمت أدنى القول منه عصانيا
وقلت أخي يرعى بنيّ وأسرتي ... ويحفظ عهدي فيهم وذماميا
ويجزيهم ما لم أكلفه فعله ... لنفسي فقد أعددته من تراثيا
فمالك لما أن حنى الدهر صعدتي ... وثلم مني صارما كان ماضيا
تنكرت حتى صار برك قسوة ... وقربك مني جفوة وتنائيا
فأصبحت صفر الكف مما رجوته ... كذا اليأس قد عفّى سبيل رجائيا
على أنني ما حلت عما عهدته ... ولا غيرت هذي السنون وداديا
فلا غرو عند الحادثات فإنني ... أراك يميني والأنام شماليا
تهنّ بها عذراء لو قرنت بها ... نجوم سماء لم تعدّ دراريا
تحلت بدرّ من صفاتك زانها ... كما زان منظوم اللآلي الغوانيا
وعش بانيا للجود ما كان واهنا ... مشيدا من الإحسان ما كان واهيا
قال: وكان الأمر فيه في حياة الأمير بعض الستر فلما مات سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة قلب أخوه لأولاده ظهر المجن وباداهم بما يسوؤهم، وتمادت الأيام بينهم إلى أن قوي عليهم فأخرجهم من شيزر، وكان أعظم الأسباب في إخراجهم ما حدثت به عن مؤيد الدولة أسامة بن مرشد قال: كنت من الشجاعة والإقدام على ما علمه الناس، فبينا أنا بشيزر وإذ قد أتاني إنسان أخبرني أن بدجلة بغاربها أسدا ضاريا، فركبت فرسي وأخذت سيفي وسرت إليه لأقتله، ولم أعلم أحدا من الناس لئلا أمنع من ذلك، فلما قربت من الأسد نزلت عن فرسي وربطته ومشيت نحوه، فلما رآني قصدني ووثب فضربته بالسيف على رأسه فانفلق ثم أجهزت عليه وأخذت رأسه في مخلاة فرسي وعدت إلى شيزر ودخلت
على والدتي وألقيت الرأس بين يديها وحدثتها الحال، فقالت: يا بني تجهز للخروج من شيزر فو الله لا يمكنك عمك من المقام ولا أحدا من إخوتك وأنتم على هذه الحال من الإقدام والجرأة.
فلما كان الغد أمر عمي بإخراجنا من عنده وألزمنا به إلزاما لا مهلة فيه فتفرقنا في البلاد، فقصدوا الملك العادل نور الدين وشكوا إليه ما لقوا من عمهم فلم يمكنه قصده ولا الأخذ بثأرهم وإعادتهم إلى أوطانهم لاشتغاله بجهاد الفرنج ولخوفه من أن تسلم شيزر إلى الفرنج، وبقي في نفسه.
وتوفي الأمير سلطان وولي بعده أولاده فبلغ نور الدين عنهم مراسلة الفرنج فاشتد ما في نفسه وهو ينتظر الفرصة، فلما خربت القلعة بالزلزلة ولم يسلم منها أحد كان بالحصن فبادر إليها وملكها وأضافها إلى بلاده وعمرها وأسوارها وأعادها كأن لم تخرب، وكذلك فعل بمدينة حماة وكل ما خرب بالشام بهذه الزلزلة فعادت البلاد كأحسن ما كانت.
قال في الروضتين: قال الرئيس أبو يعلى: وفي العشر الثاني من جمادى الآخرة تواصلت الأخبار بوصول ولد السلطان مسعود في خلق كثير للنزول على أنطاكية، وأوجبت الصورة تقرير المهادنة بين نور الدين وملك الفرنج وتكررت المراسلات بينهما والاقتراحات والمشاجرات بحيث فسد الأمر ولم يستقر على مصلحة. ووصل نور الدين إلى مقر عزه في بعض عسكره وأقر باقيه ومقدميه مع العرب بإزاء أعمال المشركين.
قال: وفي ثالث رجب توجه نور الدين إلى ناحية حلب وأعمالها لتجديد مشاهدتها وإمعان النظر في حمايتها عند ما عاث المشركون فيها وقربت عساكر ابن مسعود منها. قال بعد ذلك: وقد تقدم من ذكر نور الدين ونهوضه في عساكره من دمشق إلى بلاد الشام
عند انتهاء الخبر إليه بتجمع أحزاب الفرنج وقصدهم لها وطمعهم بحكم ما حدث من الزلازل والرجفات المتتابعة لها وما هدمت من الحصون والقلاع والمنازل في أعمالها وثغورها لحمايتها والذب عنها وإيناس من سلم من أهل حمص وشيزر وكفر طاب وحماة وغيرها، بحيث اجتمع إليهم العدد الكثير والجم الغفير من رجال المعاقل والأعمال والتركمان، وخيم بهم بإزاء جمع الفرنج بالقرب من أنطاكية وحصرهم بحيث لم يقدر فارس منهم على الإقدام على الفساد.