وصار الناس يهرعون إليه بالأموال وغيرها وهو يصرف ذلك في وجوه الخير من عمل بعض الركايا وإصلاح كثير من الطرقات بإزالة ما فيها من الخروقات وغيرها. وكان إذا وقف
طائر على قبة بركة جامع حلب قال: إن هذا رسولي أتاني يخبر بكذا، ويكره سماع اليراع وينفر إذا سمعه في مقام السماع، وإذا اجتمعت عنده مآكل متنوعة خلط بعضها ببعض ولو مع المنافرة بينها، فقيل له ذلك فقال: إن الكل يجري في مجرى واحد. وربما نسبت إليه مكاشفات ومع هذا فقد كان متهما بمحبة النظر إلى الغلمان.
ولما قرب من الموت أوصى أن يدفن عند رجل رجل من أولياء الله تعالى مدفون بقبور الصالحين يعرف بالجمال كان من شأنه البلاهة واختلاط العقل في نظر الناس، إلا أنه اتبع ذات يوم مع نسبته إلى ترك الصلاة فإذا هو قد وصل إلى عين مباركة فنزع ما كان عليه من لباس قبيح مشكوك في طهارته ولبس ثوبا آخر وهو غائب عن أعين الناس، فصلى.
ومما دل على سذاجة الشيخ حسن أو ظرافته ما أخبرني به الشهاب أحمد ابن الشيخ حسين البيري أنه أرسل إلى أبيه يطلب منه أن يعوده لمرض حل به ويحضر معه فلانا البيطار، قال: فعجب والدي من ذلك لتجرد الشيخ حسن عن الخيل والبغال، قال: فعاده والدي والبيطار معه فذكر له أن ظهره يؤلمه وأن طبعي من طبع الحمير ولا يعرف طبعها إلا البيطار، فوصف له ذلك البيطار ما يليق من الدواء وفارقه. وكانت وفاته سنة سبع أو ثمان.
خليل الله بن نور الله اليزدي الشافعي تلميذ ملا علي القوشجي.
حل بحلب فأكب على القراءة عليه جماعة منهم الشمس السفيري، وكتب على الفتوى وكان يختمها بخاتم له على طريقة الأعاجم ويخطىء البدر السيوفي في فتاواه وهو مصيب.
قيل: وكان يفتي من الرافعي الكبير بقوة المطالعة، وكانت له مواعيد حسنة تجاه محراب الحنابلة بالجامع الأعظم بحلب، وألف بها (رسالة في المحبة) على أسلوب الصوفية يستشهد فيها بأبيات من تائية ابن الفارض ذاكرا في ديباجتها أنه لما سئل عن (تنوير مصباح المحبة) وإيضاحها بتعريف يفهمه الصغير والكبير ولا يخالفه الألمعي النحرير، فعلى قدر قدر السائل أتاه بجمرة من نيران آنس بها من جانب طور العشق والحيرة، واقعة في قلب الشجرة المتعلقة بهبوب رياح الهوى في بيداء الفكرة والغيرة.
ووضع رسالة أخرى بين فيها نكتة التثنية في قوله تعالى رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ
الْمَغْرِبَيْنِ (1) مع الأفراد في قوله تعالى {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} (2) وكذا نكتة الجمع في قوله تعالى {بِرَبِّ الْمَشََارِقِ وَالْمَغََارِبِ} (3) . ورسالة أخرى سماها «رسالة الفتوح في بيان ماهية النفس والروح» جعلها تحفة مهداة لدولتباي الجركسي كافل حلب، وكأنه قصد استرفاده بها ولوح بذكر الفتوح في اسمها إلى الغرض من رسمها. وقد وقفت أنا على هذه الرسالة فإذا بها حكاية اتفاق الفلاسفة والغزالي وكثير من متأخري المتكلمين على أن النفس الناطقة مجردة وهي غير الروح، وحكاية أن كثيرا من المتكلمين ذهبوا إلى أنها مادية وهي عين الروح، ونقل فوائد عن الرازي منها أن الشيء الذي يشير إليه كل أحد بقوله أنا مغاير للشيء الذي يشير إليه كل واحد إلى غيره بقوله أنت، قال الرازي: وذلك لأني إذا أشرت إلى تفسير قولي أنا فالمشار إليه ليس هو البدن ولا جزءا من أجزاء البدن، لأني حال ما أكون شديد الاهتمام بتحصيل إدراك أو بتحصيل فعل فإني أقول: أنا فعلت كذا، وعندما أقول هذا يكون المشار إليه بقولي أنا حاصلا في ذهني لا محالة مع أني في تلك الساعة أكون غافلا عن بدني وعن جميع أجزاء البدن، وأما الذي أشير إليه بقولي أنت فليس إلا هذا البدن، لأن المشار إليه بقولي أنت ليس إلا ما أدركه ببصري، وما ذاك إلا هذا الجسم المخصوص. هذا كلامه فيما نقله عنه، وهو غريب في الفرق بينهما، إذا قد ينسب إليها شيء واحد مما لا تليق نسبته إلى ذلك الجسم المخصوص أو مما يليق، فيكون الحكم بأن أحدهما هو دون الآخر تحكما لا يعتد به.