وعلى طرفي مدخل الباب تحت قنطرته العظيمة عمودان من الرخام منقوشان نقوشا بديعة ويتخلل تلك النقوش الأصباغ البديعة المتقنة لذا أبقتها الأيام المتطاولة إلى الآن، وعن يمين القبلية ويسارها حجرتان واسعتان لكل واحدة منهما بابان باب من داخل القبلية وباب من صحن المدرسة وقد أعدتا الآن للتدريس، وبجانب الحجرة اليمنى منارة الجامع وهي عظيمة الارتفاع مستديرة الشكل على طرز منارات الآستانة، وتحت موقف المؤذنين كان نحو ذراع منه مبلطا بالرخام القاشاني والآن ذهب معظمه وبقي منه نحو ذراع ونصف على ضلعين من أضلاع المنارة. وأمام القبلية على طولها وطول هاتين الحجرتين رواق عظيم الارتفاع أيضا فيه
ست قبب تحتها ستة أعمدة ضخمة ثلاثة منها من الحجر الأزرق وثلاثة من الحجر الأبيض.
والبناؤون يعجبون لحسن هندسة قناطر الرواق وباب القبلية وقبته وما حواليه، وصحن الجامع واسع جدا وله ثلاثة أبواب واحد من الجهة الغربية وواحد من الجهة الشمالية وهذا قد كان مسدودا. والبناء الذي أمامه وهو عبارة عن سوقين شمالي وغربي كانا من جملة أوقاف الجامع باعهما منذ ستين سنة بعض من لا خلاق له من التجار المتزيين بزي أهل الصلاح كان متصلا به ولا طريق هناك فسعى في فتحه منذ عشرين سنة مفتي حلب الشيخ محمد العبيسي، ومن ذلك الحين اتصل الطريق الذي يأخذ بك إلى المدرسة السلطانية.
وقد اتخذ هذين السوقين مع العرصة التي هي جنوبي السوق الشمالي وشرقي السوق الغربي من اشتراهما وهم بيت الماركوبلي من التجار الإيطاليين المقيمين منذ زمن بعيد خانا كبيرا ويعرف هذا المكان وهذا الخان بالشونة.
والباب الثالث هو من الجهة الشرقية تصعد إليه من صحن الجامع بدرجات.
كانت الشهباء في أوائل هذا القرن مزدانة ببعض العلماء فكانوا بها نجوما يهتدي الناس بهم ويفزعون في مهماتهم إليهم، وكان ينتقل الواحد منهم تلو الواحد إلى الدار الآخرة ولا نجد له خلفا لزهد الناس في العلوم الدينية وعدم الإقبال عليها لأسباب متعددة، منها أن قضاة البلاد كانوا يعينون من الآستانة، ومنها أن لغة الدواوين والتعليم كانت باللغة التركية، ومنها قلة رواتب الطلاب وأهل العلم بحيث أصبحت لا تفي بالضروري من المعيشة، ومنها ترك الامتحان الذي هو من أعظم الأمور التي تدعو الطالب إلى الاجتهاد، ومنها التساهل في إعطاء وظائف الآباء للأبناء حتى صارت كأنها سلعة تباع وصار العلم كأنه تركة تورث، وعندي أن هذا السبب هو أعظم الأسباب التي قضت على حياة العلم وقوضت أركانه لا في هذه البلاد بل في الكثير من البلاد الإسلامية، وزاد في الطين بلة أخذ طلاب العلوم الدينية إلى الخدمة العسكرية في الحرب العامة التي حصلت سنة 1333بعد أن كانوا معفيين منها
إلا من التجأ لإمامة أو خطابة في بعض الجوامع أو المساجد فكان ذلك الضربة القاضية على البقية الباقية.