ولد رحمه سنة 1258. ولم تكن عائلة أبيه قبله من بيوت العلم، بل كانت أمه من سلالة قوم علماء هم بنو برهان، فهو العصامي الذي أسس دعائم العلم في هذه العائلة وبه علت منابر شهرتها. وكان طلبه للعلم في الخامسة عشرة من عمره، ومبدأ ذلك كما تلقيناه أنه كان أجيرا عند رجل عطّار في سوق بانقوسا من بني الناشد، فعزم هذا على الحج، وقبل أن يسافر أراد أن يشاركه ويسلمه الدكان مضاربة لما رآه فيه من النباهة والاستقامة، ففعل. ثم سافر للحج، فبعد سفره بدا للمترجم أن يطلب العلم، وصار يذهب صباح كل يوم إلى المدرسة القرناصية ويحضر فيها درسا ثم يعود إلى دكانه وقت الضحى. فلما حضر شريكه من الحج رآه يتأخر في فتح الدكان في حين أنها كانت بجانب حمّام رقبان، وكان يقتضي أن تفتح بكرة، فسأله عن السبب في تأخره فأخبره، فلم يوافق شريكه ذلك ولم يرض هو بترك الدرس، فعرض القضية على والده السيد عثمان، فأقبلا يتعاونان على إقناعه، ولكن عبثا حاولا، وصار هو يقنع والده ويرجوه أن يسمح له في ذلك وأن يدعو له بالتوفيق والنجاح.
ولما رأى والده إصراره على ذلك لم يجد بدا من موافقته وتركه وشأنه، وحينئذ قطع علائقه مع الشركة ولزم المدرسة القرناصية وانقطع فيها لطلب العلم وأكمل حفظ القرآن بعد أن كان حفظ جانبا منه، وأخذ في الجد والاشتغال.
وكان في مدة طلبه العلم في المدرسة خشن العيش متقشفا معتزلا عن الناس، فحضر على الشيخ عبد اللطيف النجّاري في المدرسة القرناصية مبادىء النحو والفقه وغيرهما، حتى إذا اتسع فهمه أخذ في الحضور على مدرس المدرسة إذ ذاك الشيخ مصطفى أفندي الريحاوي، وعكف على حفظ المتون، فحفظ بعد الكتاب المبين الشاطبية والألفية لابن مالك، ومعظم متن التنوير في الفقه، ومتن الجوهرة في التوحيد، والسلم في المنطق وغير ذلك.
وتلقى عن الشيخ الكبير الشيخ أحمد الترمانيني، وكان الشيخ يتوجه إليه في حلقة الدرس من بين الحاضرين ويخصه بالنظر والخطاب لما يراه فيه من الثقافة والنباهة. وتلقى أيضا عن العالم المدقق الشيخ علي القلعة جي وهو خاتمة أشياخه، فإنه كان أيضا يخصه بالمذاكرة والمحاورة ويعتمد عليه، حتى إنه إذا عرض يوما لصاحب الترجمة مانع منعه من حضور الدرس فالشيخ لا يقرأ الدرس في ذلك اليوم. فنما ذكره بين المشايخ والطلاب وأخذت شهرته تنتشر آنا فآنا حتى أصبح المفرد العلم. ولم يبلغ الثلاثين من عمره حتى برع في الفقه والأصول والفرائض والنحو والمنطق وسائر الفنون الآلية، فشاع صيته وعرف كل ذي فضل فضله، وصار إليه مفزع الناس في معضلاتهم، وعليه المعوّل في حل مشكلاتهم.
أما أساتذته الذين تلقى عنهم فمنهم الشيخ مصطفى الريحاوي مدرس القرناصية، قرأ عليه الفقه الحنفي، والشيخ مصطفى أفندي الكردي مدرس العثمانية، قرأ عليه علم المنطق، والشيخ أحمد الترمانيني، قرأ عليه علمي الصرف والنحو، والشيخ عبد السلام الترمانيني، قرأ عليه صحيح البخاري وغير ذلك من كتب الحديث، والشيخ إبراهيم اللبابيدي، قرأ عليه علم أصول الفقه، والشيخ مصطفى الشربجي، قرأ عليه علم الفرائض، والشيخ علي
أفندي القلعه جي، قرأ عليه في الفقه الحنفي الدر المختار وحاشيته رد المحتار، وكان آخر أساتذته الذين قرأ عليهم.