هذه التكية واقعة في آخر محلة آقيول من جهة الشمال عند منتهى العمران، وهي مسماة باسم المدفون فيها وهو الشيخ بابا بيرم، وهو على ما كتبه لي شيخ التكية الشيخ يوسف ابن الحاج إسماعيل الجمالي المتقدم الذكر بيرام خواجه أحمد اليسوي مرشد الحاج بكتاش ولي ابن الشيخ يوسف الهمداني أحد مشايخ الشيخ بهاء الدين نقشبند، كان حضر من بلاد خراسان إلى حلب ونزل في مغارة موجودة إلى الآن داخل التكية المذكورة وصار يعبد الله هناك، واجتمع حوله كثير من الفقراء وأخذوا عنه الطريقة البيرامية، وظهر على يده كرامات متعددة زادت في اعتقاد الناس فيه. وبقي على ذلك إلى أن انتقل بالوفاة إلى رحمة الله تعالى سنة 764ودفن بجانب المغارة، ولا زال ضريحه باقيا إلى الآن يزوره الكثير من الناس. وبنى أهل الخير على قبره قبة، إلى أن دخلت سنة 875ففيها حضر لحلب ملك العراق السلطان حسن بن علي بن عثمان الطويل، وهو ممن ذكر في تاريخ القرماني، فمر السلطان بهذا المكان وسئل عنه فأعلم بخبره فقال: يلزم علينا أن نزور ضريحه، فنزل وزاره وقرأ ما تيسر من القرآن وذهب إلى حال سبيله، وبعده بني على قبره تكية اشتهرت باسم دفينها وهو الشيخ بيرام بابا، واشترى وقتئذ من بعض الأمراء مزرعة متاخمة لقرية عندان واقعة في جبل سمعان من أعمال حلب يقال لها مزرعة إبرن (بكسر الهمزة والراء) ووقفها على التكية وسلمها لشيخها وقتئذ، وهي باقية إلى الآن بيد مشايخ التكية، وشرط الواقف أن تكون التولية لمن يكون شيخ التكية، وهي مستثناة من الأعشار وسائر التكاليف الأميرية من طرف ملوك بني عثمان. وفي سنة 877أرسل السلطان حسن الطويل كتابا
لشيخ التكية مذيلا بتوقيعه (الواثق بالملك الرحمن حسن بن علي بن عثمان) وعلى ظاهر الكتاب تواقيع وزرائه وأختامهم، وهو إلى الآن محفوظ عند شيخ التكية.
والتكية تحتوي على صحن واسع في وسطه حوض صغير ومزرعة فيها بعض الأشجار.
وهناك قبلية كتب فوق بابها أنها جددت سنة 1046، والمجدد لها أحد مشايخها الشيخ حسن دده، وهي مربعة الشكل، سقفها قبة واحدة طولها عشرة أذرع وعرضها كذلك، ووراء الصحن مزرعة واسعة. وهناك من الجهة الشرقة مدفن من جملة من دفن فيه الحاج حسين دده بن عمر دده ووفاته سنة 1244، والشيخ يوسف دده ابن الحاج إسماعيل المتوفى سنة 1341. وهناك حجرة واسعة في وسطها ضريح شيخ التكية الشيخ بابا بيرم. وكان في الحجرة شمعدان من النحاس أرسله السلطان المذكور، فاستأذن متولي التكية الشيخ يوسف داده الحاكم في بيعه فباعه بستين ليرة ذهبا اشترى بها مع غلّة كانت متجمعة في واردات الوقف دارا ألحقها بوقف التكية، وهي ملاصقة للتكية من جهة الشمال. وهناك في طرف هذه الحجرة من جهة الشمال قبر ملاصق للجدار هو قبر زوجة السلطان قانصوه الغوري ولها وقف لكنه غير معروف الآن.
وفي أول هذه المزرعة دولاب في أوائل طرفه الشرقي المغارة التي كان يتعبد فيها الشيخ بابا بيرم، وهي واسعة جدا على قدر الصحن، وهي واقعة تحته، وفيها أو اوين ومصاطب.
وخارج التكية من شماليها سبيل أنشأه المترجم وشرط له في كتاب وقفه 180قرشا يشتري بها حبال ودلاء.
الشيخ عبد السلام ابن الشيخ عبد الكريم ابن الشيخ الحاج أحمد ابن الشيخ نعمة الله ابن الشيخ علي، المشهور بالترمانيني، مفتي الشافعية بحلب وابن مفتيها وشيخ الحديث بمدينة حلب وما يليها.
ولد رحمه الله سنة ألف ومائتين وثمان وثلاثين في غرة رمضان، وسماه والده عبد السلام تأريخا لسنة ولادته.
قرأ القرآن العظيم وأتقن حفظه عن ظهر قلب على شيخ القراء الشيخ سعيد الركبي،
وحفظ الخلاصة في النحو ومتن الزبد في الفقه الشافعي وألفية العراقي في المصطلح، وقرأ على والده التحريرات النحوية تأليف والده التي ألفها باسمه، ورحل به إلى مصر سنة 1250، وقد ذكرنا ذلك هناك، وبعد وصولهما إلى مصر بأيام توفي والده بالطاعون، فبقي المترجم في مصر يتلقى العلوم والفنون في جامع الأزهر، فقرأ النحو والعلوم العربية على الشيخ محمد الدمنهوري والشيخ أحمد المرصفي، والفقه والأصول على الشيخ إبراهيم البيجوري، والحديث والتفسير على الشيخ مصطفى المبلط، وقرأ على الشيخ محمد الجناني والشيخ حسن البلتاني والشيخ عياد الطنطاوي فنونا عديدة من معقول ومنقول، وتلقى الحديث المسلسل خاصة على شيخ الوقت الشيخ أحمد البهيّ الشاذلي.