الصلح بين الدولة العثمانية والحكومة المصرية ورجوع إبراهيم باشا إلى سورية قال في المناقب الإبراهيمية في الباب التاسع ما خلاصته: لما وصلت أخبار هذه الكسرة إلى القسطنطينية اضطرب الباب العالي ولم يبق في وسعه إلا التسليم للقضاء، وفكر رجال الدولة فيما يجبر الخلل فلم يجدوا أوفق من الصلح، فطلبوا إذ ذاك من فرنسا توسط الأمر فأجابتهم إلى ذلك وبعثت وكيل سفارتها البارون دي فارين برسالة إلى إبراهيم باشا وبأخرى إلى والده محمد علي باشا، وبعد أخذ ورد تقرر أن تتنازل الدولة العثمانية للحكومة المصرية عن جزيرة كريد وعن آدنة وسورية، وتحررت شروط العهد في السادس عشر من
ذي القعدة والثامن من نيسان ورجع إبراهيم باشا إلى قطر الشام وشرع في تمهيده وتنظيم شؤونه.
قال في مشاهير الشرق في الكلام على العائلة الخديوية: إن الباب العالي لما أرسل رشيد باشا الصدر الأعظم جنّد إبراهيم باشا جندا كبيرا من البلاد التي افتتحها وسار نحو الآستانة لملاقاة رشيد باشا فالتقى الجيشان في دسمبر (ك 1) سنة 1832م في قونية جنوبي آسيا الصغرى فتقهقر رشيد باشا برجاله واخترق إبراهيم باشا آسيا الصغرى حتى هدد الآستانة.
فتعرضت الدول وفي مقدمتهن الدولة الروسية فأنفدت إلى مصر البرنس مورافيل لمخاطبة محمد علي باشا بذلك وتهديده، فبعث إلى إبراهيم باشا أن يتوقف عن المسير، ثم عقدت بمساعدة الدول معاهدة من مقتضاها أن تكون سورية قسما من مملكة مصر وإبراهيم باشا حاكما عليها وجابيا لخراج آدنة، وقد تم ذلك الوفاق في 24ذي القعدة سنة 1248الموافق 14أيار سنة 1832وهو المدعو وفاق كوتاهية، فعاد إبراهيم باشا إلى سورية واهتم بتدبير أحكامها وجعل مقامه أولا في أنطاكية وابتنى فيها قصرا وقشلاقات، وولى إسماعيل بك على حلب وأحمد منكلي باشا على آدنة وطرسوس، أما الإجراءات العسكرية فلم يكن يسوغ لأحد أن يتولاها سواه.
أحمد آغا بن هاشم هو أحد زعماء الأنكشارية في حلب، والسبب في قتل إبراهيم باشا له أن إبراهيم باشا لما قفل من قونية وعاد إلى حلب أخذ في جمع العساكر والاستعداد خشية طارق يطرق البلاد على غرة، وطلب من الأغوات أن يسلموا أولادهم فترددوا في بادىء الأمر ثم اتفقوا على تسليمهم، وقبل سفرهم طلع آباؤهم لوداعهم فرأوهم على حالة مهينة يحتقرون ويشتمون فقال الآباء: هذه حالة أولادنا وهم هنا بين ظهرانينا فكيف تكون حالتهم في السفر، فندموا على ما فعلوا وأخذوا في إعمال الحيلة فاجتمعوا في منزل أحمد آغا بن هاشم، وهناك قرروا قتل إبراهيم باشا ووكيله وكتبوا بذلك عهدا ختموه جميعا وسلموه لابن حطب (أحد آغوات الأنكشارية) فأخذ هذا ورقة العهد وذهب توا
إلى وكيل إبراهيم باشا، فحين اطلاع هذا عليها أخذها وسلمها إلى إبراهيم باشا فأمر إبراهيم باشا بالتحقيق عن هذه المسألة، ولما سئلوا أنكروا إلا أحمد آغا هاشم فإنه لم ينكر وقال: إني دعوت هؤلاء إلى منزلي وقرأت عليهم هذه الورقة وأجبرتهم على ختمها وليس لأحد منهم تصنع، فأخبر إبراهيم باشا بذلك فأمر بقتله، فأخذ وقتل أمام قهوة الآغا، وبعد قتله بنصف ساعة أرسل إبراهيم باشا أمرا بالإبقاء عليه وكان القضاء قد نفذ.