وعلى إثر ذلك أرسلت الحكومة محمد باشا القبرصلي الذي تولى الصدارة بعد ذلك، فأول عمل قام به أن نفى عبد الله بك البابنسي وابن أخيه محمد آغا والحاج عمر الجاهل ومحمد آغا بازو ورمضان آغا وإبراهيم الطبّال وعيسى آغا وابنه عمر آغا إلى الآستانة، ففي الطريق توفي عبد الله بك في جناق قلعة ودفن فيها والآن له هناك قبر وأهل البلد يزورونه تبركا، ويقال ابن أخيه محمد آغا سمه أملا بأخذ منصبه. ثم عيّن محمد باشا لمحمد آغا المكانسي لجمع المنهوبات واستعمل الحكمة في استخراجها وجمعها ثم أعادها إلى
أربابها ولم يفقد منها إلا القليل، ويقال إن الحكومة دفعت لهم قيمة ما لم يرد عليهم من أموالهم، وأما ظريف باشا فإنه عزل على إثر هذه الفتنة بمجيء محمد باشا القبرصلي وأرسل مع المنفيين إلى الآستانة وكريد.
أقول: يعيش أهالي الشهباء مع بعضهم البعض على اختلاف مللهم ونحلهم على غاية الوفاق والوئام، وهذه الحادثة فذة في بابها لا تجد لها نظيرا في تاريخ الشهباء من قبل ومن بعد، وقد نشأت من سوء إدارة يوسف بك وعبد الله بيك، وإذا علمت أن هذا قد كان رجلا أميا وقد نال ما نال من المناصب بدون استحقاق لها فلا تستغرب إذا أشعل نار هذه الفتنة بسائق الجهل وعدم التروي والتبصر، والذي تراه وتستقرئه في تاريخ الحلبيين أنهم كانوا إذا جاعوا قاموا وإذا ظلموا ثاروا وتأبى نفوسهم أن ترضى به وأن تقيم عليه.
كان الوالي في حلب عثمان نوري باشا.
سنة 1269:
كان الوالي في حلب سليمان رأفت باشا.
في هذه السنة كانت الحرب العظيمة بين الدولة العثمانية والدولة الروسية والسلطان يومئذ عبد المجيد خان وتعرف بحرب القرم، وكان النصر حليف الدولة العثمانية، وساعدها فيها دولتا فرنسا وإنكلترة، وقد دون هذه المحاربة غير واحد من المؤرخين منهم السيد أحمد الدحلاني في تاريخه الفتوحات الإسلامية. وخرج لأجلها من حلب ألف وخمسمائة جندي، وكان قائد العسكر الحلبي علي بك بن يوسف بك أشريف وكان خروجه في 15 جمادى الأولى من هذه السنة، وامتدحه حين توجهه إلى الحرب الشاعر الأديب أبو النور الكيالي الإدلبي بقصيدة طويلة في نحو ستين بيتا قال في مطلعها:
خطرت بقوام كالسمهر ... هيفا بلواحظها تسحر
فتنت بجمال مشرقة ال ... وضاح حكى نجما أزهر
سلبت لب العشاق بكو ... كب مطلعها الزاهي الأبهر
ومنها: