وكان بحلب طائفة من العتاة الأبطال يعرفون بالحوارنة في دولة الجراكسة، وكانوا ذوي بطش وسفك لدماء أعوان الظلمة كالأستادار فمن دونه، حتى كانوا يقولون: نحن نقتل فلانا ونعطي ديته معلاقا لأنهم كانوا قصّابين أو من ذرية القصاّبين يأوون طرف باب المقام والقصيلة، فبطشوا ببعض أعوان أزدمر فصار يتتبعهم ليقتلهم، فحصروه مرة بدار العدل فخشي شيخهم ابن بسيرك من عاقبة الأمر فأمرهم أن يطردوه بالسلاح والحجارة صورة، ففعلوا فهرب إلى دار العدل وقال لأزدمر: إن لم تناد لهم بالأمان والاطمئنان وإلا قتلوك وقتلوني، ومتى أطمأنوا فتتبع واقتل، فنادى ثم أمسك منهم بعد مدة طائفة وأمر بإحضارهم متى كان القضاة الأربعة عنده في يوم الموكب وكان منهم جدي الجمال الحنبلي ولكن بحيث
لا يرونهم، وأمر الجلاد بقتلهم ليلبس على السلطان أنهم قتلوا بالشرع يوم الموكب بحضرة جميع القضاة، فالتفت جدي فإذا أحدهم قد ضربت عنقه، فأغلظ جدي له القول وقام من المجلس، وقام باقي القضاة معه فحقنت دماء الباقين بسببه وكان يملك ألف مملوك.
وأنشأ بحلب خانا بسوق الصابون وحماما بساحة باب المقام وتربة بقرب سعد الأنصاري دفن بها زوجته، وكانت صالحة يخاف هو منها مع سطوته والدار التي دخلت الآن في خبر كان وذكرنا شيئا من خبرها (هكذا [1] ومع شهامته كان يذهب إلى الجديدة فيشرب الخمر بها وعاد منها مرة وهو سكران فاضطرب 1هـ.
قال ابن إياس: وفي ذي الحجة جاءت الأخبار بوفاة خليل بن حسن الطويل ملك العراقين قتله بعض أمرائه، ولما مات ولي بعده أخوه يعقوب وكان من خيار بني حسن الطويل.
قال ابن إياس: في صفر من هذه السنة جاءت الأخبار من حماة بوقوع فتنة كبيرة فيها قتل فيها نائب حماة أزدمر بن أزبك قريب السلطان، وسبب ذلك أن سيف أمير آل فضل كان قد خرج عن الطاعة فحاربه أزدمر نائب حماة فقتل في المعركة وقتل معه جمع من أمراء حماة فانزعج السلطان لهذا الخبر جدا.
وفي ربيع الأول عين السلطان الأمير يشبك الدوادار للخروج إلى حماة بسبب قتال سيف أمير آل فضل الذي قتل أزدمر نائب حماة، وهذه السفرة كانت آخر العهد بالأمير يشبك ولم يعد منها إلى مصر، وعين معه من الأمراء المقدمين برسباي قرا وتاني بك قرا وعدة من الأمراء الطبلخانات والعشراوات وعدة وافرة من الجند، وقد لهج الناس بأن هذه
(1) جاء ذكر هذه الدار في «در الحبب» في ترجمة برهان الدين بن أبي شريف (إبراهيم بن محمد) .