قال أبو الفداء: في هذه السنة أعني سنة ثمانين وستمائة في شهر رجب كان المصاف العظيم بين المسلمين وبين التتار بظاهر حمص، فنصر الله المسلمين بعد ما كانوا قد أيقنوا بالبوار، وكان من حديث هذا المصاف العظيم أن أبغا بن هولاكو حشد وجمع وسار بهذه الحشود طالبا الشام، ثم انفرد أبغا المذكور عنهم وسار إلى الرحبة وسيّر جيوشه وجموعه إلى الشام وقدم عليها أخاه منكوتمر بن هولاكو وسار إلى جهة حمص.
قال ابن كثير: لما اقترب مجيء التتار كتب السلطان المنصور قلاوون إلى مصر وغيرها من البلاد يستدعي الجيوش، فدخل أحمد بن حجي ومعه بشر كثير من الأعراب، وجاء صاحب الكرك المسعود نجدة للسلطان يوم السبت الثاني عشر من جمادى الآخرة وقدم الناس عليه ووفدوا إليه من كل جانب، وجاءته التركمان والأعراب وكثرت الأراجيف بدمشق وكثرت العساكر بها وانجفل الناس من بلاد حلب وتلك النواحي وتركوا الغلات والأموال خوفا من أن يدهمهم العدو من التتار، ووصلت التتر صحبة منكوتمر بن هولاكو إلى عين تاب وسارت العساكر المنصورة إلى نواحي حلب يتبع بعضها بعضا، ونازلت التتر بالرحبة في أواخر جمادى الآخرة طائفة من الأعراب وكان فيهم ملك التتار أيضا مختفيا ينظر ماذا يصنع أصحابه وكيف يقاتلون أعداءه، ثم خرج الملك المنصور من دمشق وكان خروجه منها في أواخر جمادى وقنت الخطباء والأئمة بالجوامع والمساجد وغيرها في الصلوات وغيرها، ولما انتهى السلطان الملك المنصور إلى حمص كتب إلى الملك الكامل سنقر الأشقر يطلبه إليه نجدة، فجاء إلى خدمته فأكرمه السلطان واحترمه ورتب له الإقامات وتكاملت الجيوش كلها في صحبة الملك المنصور عازمين على لقاء العدو لا محالة مخلصين في ذلك. واجتمع الناس بعد خروج السلطان في جامع دمشق ووضعوا المصحف العثماني بين أيديهم وجعلوا يبتهلون إلى الله تعالى في نصرة الإسلام وأهله على الأعداء، وخرجوا كذلك والمصحف على رؤوسهم إلى المصلى يدعون ويبتهلون ويبكون، وأقبلت التتار قليلا قليلا، فلما وصلوا حماة أحرقوا بستان الملك وقصره وما هناك من المساكن والسلطان المنصور مخيم بحمص في عساكر من الأتراك والتركمان وغيرهم في جحفل كثير جدا،
فأقبلت التتر في مائة ألف مقاتل أو يزيدون [في أبي الفداء كان عدتهم ثمانين ألفا] ولما كان يوم الخميس رابع عشر شهر رجب التقى الجمعان وتواجه الخصمان عند طلوع الشمس وعسكر التتر في مائة ألف فارس وعسكر المسلمين على النصف من ذلك أو يزيدون قليلا والجمع فيما بين مشهد خالد بن الوليد إلى الرستن، فاقتتلوا قتالا عظيما لم ير مثله من أعصار متطاولة، فاستظهر التتار أول النهار وكسروا الميسرة واضطربت الميمنة أيضا، وانكسر جناح القلب الأيسر وثبت السلطان ثباتا عظيما جدا في جماعة قليلة وقد انهزم كثير من عسكر المسلمين والتتر في آثارهم حتى وصلوا وراءهم إلى بحيرة حمص، ووصلوا إلى حمص وهي مغلقة الأبواب فقتلوا خلقا من العامة وغيرهم، وأشرف المسلمون على خطة عظيمة من الهلاك، ثم إن أعيان الأمراء من الشجعان والفرسان تآمروا فيما بينهم مثل سنقر الأشقر وبيسري وطيبرس الوزيري وأمير سلاح وأيتمش السعدي وحسام الدين لاجين وحسام الدين طرنطاي والدواداري وأمثالهم لما رأوا ثبات السلطان ردوا إلى السلطان وحملوا حملات متعددة صادقة، ولم يزالوا يتابعون الحملة بعد الحملة حتى كسر الله بحوله وقوته التتر وخرج منكوتمر، وجاءهم الأمير عيسى بن مهنا ناحية العرض فصدم التتر فاضطربت الجيوش لصدمته وتمت الهزيمة ولله الحمد وقتلوا من التتر مقتلة عظيمة جدا، ورجعت الطائفة من التتر الذين اتبعوا المسلمين المنهزمين فوجدوا أصحابهم قد كسروا والعساكر في آثارهم يقتلون ويأسرون والسلطان ثابت في مكانه تحت الصناجق والكوسات تضرب خلفه وما معه إلا نحو ألف فارس، فطمعوا فيه فقاتلوه، فثبت لهم ثباتا عظيما فانهزموا من بين يديه فلحقهم فقتل أكثرهم، وكان ذلك تمام النصر، وكان انهزام التتر قبل الغروب، وافترقوا فرقتين أخذت فرقة منهم إلى ناحية سلمية والبرية والأخرى إلى ناحية حلب والفرات، فأرسل السلطان في آثارهم من يتبعهم وجاءت البطاقة بالبشارة بما وقع من النصر إلى دمشق يوم الجمعة خامس عشر رجب، فدقت البشائر وزينت البلد وأوقدت الشموع وفرح الناس. فلما أصبح الناس يوم السبت أقبلت طائفة من المنهزمين منهم بيليك الناصري والحالق وغيرهم فأخبروا الناس بما شاهدوا من الهزيمة في أول الأمر ولم يكونوا شاهدوا ما بعد ذلك، فبقي الناس في قلق عظيم وخوف شديد وتهيأ ناس كثير للهرب فبينما الناس في ذلك إذ أقبلت البريدية وأخبروا الناس بصورة ما وقع في أول الأمر وآخره، فتراجع الناس وفرحوا فرحا شديدا ولله الحمد، ثم دخل السلطان إلى دمشق يوم الجمعة الثاني والعشرين