وقال في الروضتين: قال ابن أبي طي: وكانت هذه السنة شديدة البرد كثيرة الثلوج عظيمة الأمطار هائجة الأهوية، وكان السلطان قد جعل أولاد الداية علالة له وسببا يقطع به ألسنة من ينكر عليه الخروج إلى الشام، وقصد الملك الصالح فامتنع كمشتكين فاشتد حينئذ السلطان في قتال البلد، وكانت ليالي الجماعة عند الملك الصالح لا تنقضي إلا بنصب الحبائل للسلطان والفكرة في مخاتلته وإرسال المكروه إليه، فأجمعوا آراءهم على مراسلة سنان صاحب الحشيشية في إرصاد المتالف للسلطان وإرسال من يفتك به، وضمنوا له على ذلك أموالا جمة وعدة من القرى، فأرسل سنان جماعة من فتاك أصحابه لاغتيال السلطان فجاؤوا إلى جبل جوشن واختلطوا بالعسكر فعرفهم صاحب بوقبيس لأنه كان مثاغرا لهم فقال لهم: يا ويلكم كيف تجاسرتم على الوصول إلى هذا العسكر ومثلي فيه، فخافوا غائلته فوثبوا عليه فقتلوه في موضعه، وجاء قوم للدفع عنه فجرحوا بعضهم وقتلوا البعض، وبدر من الحشيشية أحدهم وبيده سكينة مشهورة ليقصد السلطان ويهجم عليه، فلما صار إلى باب الخيمة اعترضه طغريل أمير جاندار فقتله وطلب الباقون فقتلوا بعد أن قتلوا جماعة. قال: ولما فات من حلب الغرض من السلطان بطريق الحشيشية كاتبوا قمص طرابلس وضمنوا له أشياء كثيرة متى رحل السلطان عن حلب، وكان في أسر نور الدين منذ كسرة حارم، وكان قد بذل في نفسه الأموال العظيمة فلم يقبلها نور الدين، فلما كان قبل موت نور الدين سعى له فخر الدين مسعود بن الزعفراني حتى باعه نور الدين بمبلغ مائة وخمسين ألف دينار وفكاك ألف أسير. واتفق في أول هذه السنة موت ملك الفرنج صاحب القدس وطبرية وغيرهما فتكفل هذا القمص بأمر ولده المخدوم فعظم شأنه وزاد خطره، فأرسل إلى السلطان في أمر الحلبيين وأخبره الرسول أن الفرنج قد تعاضدوا وصاروا يدا واحدة فقال: لست ممن يرهب بتألب الفرنج وها أنا سائر إليهم، ثم أنهض قطعة من جيشه وأمرهم بقصد أنطاكية فغنموا غنيمة حسنة وعادوا، فقصد القمص فنكص راجعا إلى بلاده وحصل الغرض من رحيل السلطان عن حلب ووصل إلى حمص فتسلم القلعة ورتب فيها واليا من قبله. [ثم قال] : ثم أرسل السلطان الخطيب شمس الدين بن الوزير أبي المضاء إلى الديوان العزيز [في بغداد] برسالة ضمنها القاضي الفاضل كتابا
طويلا رائقا فائقا يشتمل على تعداد ما للسلطان من الأيادي في جهاد الإفرنج في حياة نور الدين، ثم فتح مصر واليمن وبلادا جمة من أطراف المغرب وإقامة الخطبة العباسية بها [ثم ساق الكتاب] .
ثم قال: قال العماد الكاتب: ولما فرغ السلطان من حمص وحصنها سار إلى بعلبك فتسلمها في رابع شهر رمضان. قال ابن أبي طي: وكان بها خادم يقال له يمن، فلما شاهد كثرة عساكر السلطان اضطرب في أمره وراسل من بحلب على جناح طائر فلم يرجع إليه منهم خبر فطلب الأمان وسلم بعلبك إلى السلطان.
قال في الروضتين: قال ابن أبي طي: لما تسلم السلطان بعلبك وأزاح عللها عاد إلى حمص ونزل بها فاتصل به ورود عز الدين مسعود أخي سيف الدين صاحب الموصل نجدة للملك الصالح، وكان سبب وروده أن جماعة من أمراء حلب لما كان السلطان نازلا على حلب أجمعوا آراءهم وكاتبوا سيف الدين وألزموه نجدة ابن عمه، وأخبروه أن السلطان متى ملك حلب لم يكن له قصد إلا الموصل، وأرسلوا بذلك أمين الدين هاشما خطيب حلب وقطب الدين ينال بن حسان وغرس الدين قليج، وكان سيف الدين منازلا لسنجار وفيها أخوه عماد الدين قد أظهر الانتماء إلى السلطان فأنجده السلطان بقطعة من جيشه فكسرهم ونهبهم عماد الدين بهم وبعسكره، فلما وصلت رسالة الحلبيين إلى سيف الدين صالح أخاه عماد الدين وحشد عسكره وأنفذ يجيبهم مع أخيه عز الدين مسعود، فورد حلب بعد رحيل السلطان عنها إلى بعلبك، فاغتنم الحلبيون بعد السلطان عنهم فاحتشدوا
وخرجوا جميعا حتى خيموا على حماة وأخذوا في حصارها، واتصل بالسلطان ذلك فرحل من بعلبك إلى حمص وبلغ عز الدين، فعاد عن حماة ونزل قريبا من جباب التركمان إلى جهة العاصي إلى قريب من شيزر، وراسل النائب بحماة علي بن أبي الفوارس يقول له: إنما وصلت في إصلاح الحال ووضع أوزار القتال، وسأله مكاتبة السلطان فيما يجمع الكلمة ويلم شعث الفرقة، فكتب ابن أبي الفوارس بذلك إلى السلطان وحسن له الصلح وتلطف في ذلك غاية التلطف، وقدم أبو صالح بن العجمي وسعد الدين كمشتكين لطلب الصلح فأجابهما السلطان إلى ما أرادا وتقرر على أنه يرد إليهم جميع الحصون والبلاد ويقنع بدمشق وحدها ويكون نائبا للملك الصالح، فلما عاين سعد الدين إجابة السلطان إلى الصلح والنزول عن جميع الحصون التي أخذها حمص وحماة وبعلبك طمع في جانب السلطان وتجاوز الحد في الاقتراح وطلب الرحبة وأعمالها، فقال: هي لابن عمي ولا سبيل إلى أخذها، فقام سعد الدين من بين يديه نافرا، وكان ذلك برأي أبي صالح بن العجمي لأنه كان معه فاجتهد السلطان به أن يرجع فلم يفعل، وخرج إلى عز الدين مسعود وكان بعد نازلا على حماة وحدثه ما دار بينه وبين السلطان وهون عليه أبو صالح أمر السلطان وأخبره بقلة من معه، وكان السلطان لما كوتب في أمر الصلح سار في خف من أصحابه، فلما علموا بذلك طمعوا في جانبه وعولوا على لقائه وانتهاز الفرصة في أمره، فكاتب باقي أصحابه واستعد لحربهم وسار إلى أن نزل على قرون حماة وأخذ في مدافعة الأيام حتى يقدم عليه باقي عسكره وراسلهم في التلطف للأحوال فلم ينجع فيهم حال، وكانوا في كل يوم يعزمون على لقائه وقتاله فيبطل عزيمتهم بمراسلة يفتعلها تسويفا للأوقات وتقطيعا للزمان حتى يقدم عليه عسكره، وكانت هيبته قد ملأت صدور القوم ولولا ذلك لكانوا قد ناهزوا الفرصة ونالوا منه الغرض.