فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 2877

والأسباب التي دعته إلى الرجوع إلى هذه البلاد ومجيئه إلى سيواس والبستان ثم عينتاب وقلعة الروم ثم إلى حلب وما فعله بهذه البلاد ثم بحلب من الفظائع وعظيم الجرائم والأسئلة التي سأل عنها علماء الشهباء وأجاب عنها القاضي محب الدين أبو الوليد محمد بن الشحنة وتوجهه إلى الشام وعوده منها إلى أطراف حلب ثم رجوعه إلى بلاد الشرق ووفاته وما آل إليه أمر ملكه وملك بنيه.

قال العلامة الدحلاني في تاريخه الفتوحات الإسلامية: كان ظهور تمرلنك في أواخر القرن الثامن بالديار الهندية وخراسان والعراق، وكان ظهوره من أشد المحن والبلايا على هذه الأمة، أفسد في الأرض وأهلك الحرث والنسل، وهو وإن كان يدّعي الإسلام إلا أن قتاله مثل قتال الكفار لأنه فعل أفعالا مع المسلمين أكثر مما تفعله الكفار من القتل والأسر والتخريب، وكان رافضيا شديد الرفض.

وسبب خروجه أن ملوك التتر اقتسموا الممالك وانتشرت الفتن بينهم مع بعضهم وكثر عليهم الثوار والخارجون، وكان ذلك كله سببا لضعف دولة التتر وموجبا لقيام تيمور وغيره.

واختلفوا في نسب تيمور، فقيل إن نسبه ينتهي إلى جنكز خان ملك التتر. وفي تاريخ ابن خلدون أن تيمور ينسب هو وقومه إلى جغطاي بن جنكز خان، وجزم بعضهم بأن نسبه إلى جغطاي بن جنكز خان إنما هو من جهة أمه لا من جهة أبيه.

وكان أول ظهوره سنة سبعمائة وثلاث وسبعين وأرّخه بعضهم بقوله [عذاب 773] وكان مبدأ أمره وأمر أبيه أنهما كانا فقيرين وكان أبوه أسكافيا من قرية من أعمال كش وهي مدينة من مدائن ما وراء النهر، ونشأ ولده تيمور جلدا قويا ذا جسم غليظ، فكان لشدة فقره يسرق كثيرا، فسرق في بعض الليالي شاة واحتملها فشعر به الراعي فرماه بسهمين أصاب بأحدهما فخذه وبالآخر كتفه فأعابهما فكان أعرج اليمناوين، ولذلك كان يقال له نصف إنسان، ومع هذا لم يترك السرقة، وما زال كذلك حتى اشتهر أمره وإفساده، فظفر

به السلطان حسين ملك هراة فأمر بضربه ثم بصلبه، فضرب ثم تشفع في ترك صلبه الأمير غياث الدين ابن السلطان حسين المذكور، فقال له أبو حسين: هذا أصل مادة الفساد، لئن بقي ليهلكن العباد والبلاد، فقال له ابنه غياث الدين: وما عسى أن يصدر من نصف آدمي وقد أصيب بالدواهي، فما زال يراجع أباه حتى قبل شفاعته ووهبه له وعفا عنه. ثم إن غياث الدين اصطحبه معه وقرّبه وأدناه وجعله من خواصه وزوّجه أخته ورقّاه حتى صار من وزرائه، فلما صار الملك لغياث الدين بعد موت أبيه حسين ازدادت منزلة تيمور وصار مقدما على كثير من الجند فطغى وبغى على مولاه غياث الدين. ومبدأ ذلك أن زوجة تيمور وهي أخت السلطان غياث الدين وقع بينها وبين تيمور شيء أغضبه فقتلها ولم يراع حرمة مولاه، ثم لم يسعه الأمر إلا بالخروج على السلطان غياث الدين وخلع الطاعة واقتعد غارب التمرد والطغيان، فتملك بما كان تحت يده من الجند كثيرا من الممالك حتى استصفى ممالك ما وراء النهر وذلت لأوامره ملوك الدهر، وشرع في استخلاص بقية البلاد واسترقاق العباد، فكان يجري في جسد العالم مجرى الشيطان من بني آدم ويدب في البلاد دبيب السم في الأجساد، ثم أرسل إلى مخدومه سلطان هراة الملك غياث الدين يطلب منه الدخول في طاعته ليجازيه على إحسانه بإساءته فيتحقق بذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلم «كتب الله على كل نفس خبيثة أن لا تخرج من الدنيا حتى تسيء إلى من أحسن إليها» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت